و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

ليست اللجان النوعية داخل مجلس النواب مجرد هياكل تنظيمية، ولا مواقع بروتوكولية لتوزيع الألقاب والمناصب، وإنما هي — وفقًا لفلسفة الدستور ومنطق العمل البرلماني — العقل التشريعي والذراع الرقابية الحقيقية للمجلس.
فما لا يُحسم داخل اللجان، لا يُحسم في الجلسة العامة، وما لا يُناقش هناك، لا يصبح قانونًا هنا.
الدستور المصري، وإن لم ينص صراحةً على حظر تولي الوزراء أو المسؤولين التنفيذيين السابقين رئاسة اللجان النوعية، إلا أنه أقام النظام السياسي على مبدأ الفصل المرن بين السلطات، لا على دمجها أو إعادة تدويرها داخل قاعة واحدة. وهذا الفصل لا يُقاس فقط بحرفية النصوص، بل بروحها وغرضها ومآلاتها العملية.
فاللجنة النوعية ليست مجرد مكتب إداري، بل هي ساحة مساءلة، ومنصة فحص، وموضع اشتباك تشريعي ورقابي مباشر مع الحكومة. ورئيس اللجنة تحديدًا يملك سلطة توجيه النقاش، والتحكم في جدول الأعمال، وصياغة التقرير النهائي الذي يُعرض على الجلسة العامة، وهو التقرير الذي يُشكّل — في الواقع — موقف المجلس ذاته.
ومن هنا، يثور التساؤل الجوهري:
كيف تستقيم الرقابة البرلمانية إذا تولّى رئاستها من كان بالأمس جزءًا من السلطة الخاضعة لتلك الرقابة؟
وكيف نطمئن إلى استقلال التشريع إذا جلس على رأس لجانه من صاغ أو نفّذ السياسات محل النقاش؟
المسألة هنا ليست طعنًا في الكفاءة، ولا تشكيكًا في النوايا، وإنما إشكالية دستورية تتعلق بتوازن السلطات، وحدود الأدوار، ومفهوم الاستقلال البرلماني. فالخبرة التنفيذية قد تكون إضافة داخل النقاش، لكنها تتحول إلى عبء حين تتصدر موقع القرار داخل المؤسسة الرقابية ذاتها.
سياسيًا، لا يمكن تجاهل الرسالة التي تصل إلى الرأي العام، حين يرى المواطن أن البرلمان — الذي يُفترض أنه صوت الأمة وسلطتها في مواجهة الحكومة — يعيد استضافة ذات الوجوه التنفيذية في مواقع القيادة البرلمانية. وهي رسالة تُضعف الثقة في فكرة التمثيل النيابي، وتغذي الانطباع بأن السلطة تُدار داخل دائرة مغلقة، لا تتغير فيها المواقع بقدر ما تتبدل فيها المقاعد.


إن المجالس القوية لا تُقاس بعدد الخبراء التنفيذيين داخلها، بل بقدرتها على إنتاج نواب أحرار، مستقلين في رؤيتهم، جريئين في رقابتهم، وأمناء على دورهم الدستوري. واللجان النوعية هي الاختبار الحقيقي لذلك كله.
الخلاصة:
قد يكون اختيار الوزراء لرئاسة اللجان دستوري الشكل، لكنه يظل سياسيًا مثيرًا للريبة، وبرلمانيًا مفتقرًا للحكمة، إذا لم يُراعَ جوهر الفصل بين السلطات، واستقلال الرقابة، واحترام فلسفة البرلمان بوصفه سلطة لا صدى.
فالبرلمان لا يكون قويًا لأنه يضم السلطة،
بل لأنه يراقبها ويوازنها.

تم نسخ الرابط