و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

تحقق مكاسب بالمليارات

"تجارة جمع القمامة" تشعل المنافسة بين "ماكينات الحكومة لجمع المخلفات" و "النباشين"

موقع الصفحة الأولى

أطقت الحكومة أولى ماكينات المخلفات في شوارع الجيزة كخطوة جديدة في تحفيز المواطن على التخلص من القمامة والمخلفات ومكافأته بنقاط و"بونص" وتخفيضات في عدد من المصالح، لكن التساؤلات لا تزال مطروحة حول إن كان ذلك هو الهدف الأسمى للحكومة أم أنها تزاحم النباشين في تجارة المخلفات وفرزها من خلال تشغيل المواطن نفسه، وهل ستقضي انتشار ماكينات المخلفات على ظاهرة النباشيين في الشوارع    

وكشف المهندس محمد مرعي، المتحدث باسم محافظة الجيزة، تفاصيل بدء التشغيل التجريبي لمنظومة ماكينات المخلفات الذكية التفاعلية بحي الدقي، والتي تتيح للمواطنين استبدال الزجاجات البلاستيكية وعبوات الكانز بحوافز مالية ونقاط رصيد تُحوَّل إلى أرقام الهواتف وتُستخدم في المشتريات.

وقال مرعي إن الماكينات تمثل نموذجًا حضاريًا وتجربة رائدة للتعامل مع المخلفات الصلبة، لافتًا إلى أنها تجمع بين الحفاظ على المظهر الحضاري والمساهمة عمليًا في مواجهة مشكلات القمامة، عبر تقديم حوافز للمواطنين بدعم من الشركات الراعية.

وأضاف أن المواطن يحصل على نقاط، سواء في صورة رصيد على هاتفه المحمول أو مقابل مالي عبر خدمات المحافظ الإلكترونية، على غرار «فودافون كاش»، ليستفيد منها في مشترياته، وذلك بعد وضع الزجاجات البلاستيكية أو عبوات الكانز داخل الماكينة وإدخال رقم هاتفه المحمول.

ولفت إلى أن المنظومة تستهدف التعامل المباشر مع ظاهرة «النبش» ومنع إلقاء القمامة في الشوارع، كما تطبق فكرة «الفرز من المنبع»، من خلال توجيه المفروزات القابلة لإعادة التدوير إلى مسارها الطبيعي، بينما تُنقل باقي المخلفات إلى المقالب العمومية عبر منظومة النظافة.

وأوضح أن التشغيل التجريبي بدأ بالفعل بماكينتين في شارع التحرير بحي الدقي، مع استمرار تقييم التجربة أولًا بأول، تمهيدًا لتعميمها في كامل الحي، ثم التوسع في باقي أحياء الجيزة تباعًا على المدى القريب، حال إثبات جدواها وتأثيرها الإيجابي.

ولفت إلى أن الماكينات تحتوي على أكياس داخلية كبيرة تُفرز العبوات وفق أحجامها، كما ترسل رسائل إلكترونية إلى الشركة المشغلة بمجرد اقترابها من الامتلاء، لتفريغها واستبدال الأكياس الداخلية.

لكن ظهور هذه الماكينات يفتح سؤالًا أكثر تعقيدًا من مجرد قدرة المعدات على رفع المخلفات: هل تستطيع التكنولوجيا إنهاء ظاهرة "النباشين" التي ارتبطت لسنوات بفرز القمامة في الشوارع؟ وهل يمكن أن تغير سلوك المواطن نفسه، الذي لا يزال البعض منه يلقي مخلفاته في غير الأماكن المخصصة؟

القضية هنا ليست مجرد معدات جديدة، وإنما منظومة كاملة تضم المواطن، وعامل النظافة، والنباش، وشركات الجمع، وأجهزة الإدارة المحلية، وسوقًا اقتصادية قائمة على إعادة تدوير المخلفات.

ويُستخدم مصطلح "النباشين" في مصر بصورة شائعة للإشارة إلى الأشخاص الذين يبحثون في أكياس القمامة عن المواد التي يمكن بيعها أو إعادة تدويرها، مثل البلاستيك والكرتون والمعادن والزجاج وغيرها.

ويجب التمييز بين النباش الذي يعمل بصورة فردية وغير رسمية في الشوارع، وبين منظومة "الزبالين" أو جامعي المخلفات الذين يعمل بعضهم ضمن أنشطة أكثر تنظيمًا، ويقومون بجمع وفرز المخلفات وإعادة تدوير جزء منها.

ولا توجد، حتى الآن، قاعدة بيانات يمكن من خلالها إعلان رقم دقيق لعدد النباشين في جميع شوارع مصر، ويرجع ذلك إلى أن جزءًا كبيرًا من النشاط يتم خارج الاقتصاد الرسمي، كما أن الأعداد تتغير باستمرار بحسب المناطق ومواعيد الجمع والطلب على المواد القابلة لإعادة التدوير.

وتشير تقديرات ودراسات سابقة حول قطاع جمع وفرز المخلفات غير الرسمي في مصر إلى أن مئات الآلاف من الأشخاص يعتمدون بصورة مباشرة أو غير مباشرة على هذا النشاط، بينما تذهب تقديرات أوسع لمنظومة العاملين في جمع وفرز وتدوير المخلفات غير الرسميين إلى أرقام تقترب من المليون أو أكثر بحسب تعريف الفئة وطريقة الحصر.

تجارة بالمليارات 

وحول اتجاه الحكومة إلى الدخول في تجارة القمامة، يجب لفت النظر إلى أن القمامة في الاقتصاد الحديث ليست كلها "مخلفات بلا قيمة"، فالبلاستيك والكرتون والمعادن والزجاج وغيرها تتحول، بعد الفرز والتجميع، إلى مواد أولية تدخل مرة أخرى في عمليات التصنيع.

وتقدر دراسات وتقارير رسمية وأممية مختلفة حجم سوق المخلفات وإعادة التدوير في مصر بمليارات الجنيهات، لكن لا يوجد رقم رسمي واحد متفق عليه يمثل حجم تجارة النباشين تحديدًا؛ لأن الجزء الأكبر من النشاط غير الرسمي لا يظهر بصورة كاملة في السجلات والإحصاءات.

يبلغ سعر طن علب الكانز الصفيح (الألومنيوم) في سوق إعادة تدوير المخلفات نحو 110,000 إلى 115,000 جنيه مصري، بينما يتراوح سعر طن الزجاجات البلاستيكية (مثل زجاجات المياه المعدنية والمشروبات) بين 17,000 و27,500 جنيه مصري بحسب الفرز والكبس. 

ويعمل النباش في بداية سلسلة اقتصادية طويلة، يلتقط المادة القابلة للبيع من القمامة، ثم يبيعها إلى تاجر صغير أو جامع أكبر، ومنها إلى مخازن ومصانع أو منشآت إعادة تدوير.

وبالتالي فإن القضاء على النباشين لا يعني فقط منع شخص من البحث في القمامة، وإنما يعني أيضًا إعادة تنظيم سلسلة اقتصادية كاملة لها أطراف متعددة، وهو ما يجعل الحل الأمني أو الإداري وحده غير كافٍ.

لكن السؤال الأهم هو، هل ماكينات المخلفات التي طرحتها الحكومة قادرة على القضاء على ظاهرة النباشين؟، والإجابة الأقرب إلى الواقع لا، ليس بمفردها، لأن ماكينات المخلفات يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في رفع كفاءة النظافة، وتقليل الاعتماد على التدخل اليدوي العشوائي، وتسريع عمليات الجمع، وربما الحد من انتشار المخلفات في الشوارع، لكن النباش يتحرك بسبب وجود قيمة اقتصادية داخل القمامة، وطالما ظل هناك بلاستيك أو كرتون أو معادن يمكن بيعها، فسيظل هناك حافز للبحث عنها.

لذلك، فإن دخول الماكينات إلى الشوارع قد يؤدي إلى تغيير شكل الظاهرة أكثر من القضاء عليها تلقائيًا، فقد ينتقل النشاط إلى نقاط أخرى، أو يتجه العاملون إلى العمل ضمن شركات أو منظومات رسمية إذا أُتيح لهم ذلك.

حتى لو نجحت ماكينات المخلفات في جمع القمامة بكفاءة، فإنها لا تستطيع منع المواطن من إلقاء كيس القمامة في الشارع بعد مرور سيارة النظافة.

وهنا تظهر مشكلة ماكينات المخلفات في تقويم سلوك المواطنين تجاه المخلفات، فالماكينة لا تستطيع وحدها معالجة سلوك المواطن .

ولذلك فإن نجاح التجربة يحتاج إلى أن يعرف المواطن أين يضع مخلفاته، ومتى يتم الجمع، وما العقوبة المقررة على الإلقاء في الشارع، وأن يرى في الوقت نفسه أن الدولة قادرة على تنفيذ الخدمة بصورة منتظمة.

وظهور ماكينات المخلفات في شوارع الجيزة يمكن أن يمثل تطورًا مهمًا في منظومة النظافة، لكنه لا ينبغي أن يُقدَّم باعتباره الحل النهائي لظاهرة النباشين.

تم نسخ الرابط