"فتية التلال" والمستوطنين الرعويين أبرزهم
بعد العجز في التجنيد.. دراسة بحثية: المستوطنون المسلحون تحولوا لجيش نتنياهو الرديف
تشهد الضفة الغربية المحتلة تحولاً في طبيعة الدور الذي يؤديه المستوطنون المسلحون، من مجموعات عنف استيطاني إلى قوة رديفة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، تعمل ضمن منظومة السيطرة الميدانية وفرض الوقائع على الأرض.
وفي هذا الإطار ترى الباحثة اللبنانية دولة حيدر أحمد، في دراسة بحثية لها، أنه في ظل عجز بنيامين نتنياهو عن تجنيد المزيد من جنود الاحتلال في قوام الجيش الإسرائيلي، وهو ما دفعه لإطلاق العنان لعدوان "جيش المستوطنين" الذي لم يتوقف يوماً على الفلسطينيين في الضفة منذ بداية الاحتلال، بل كانت عصابات الاستيطان عماد القتل والإجرام والتهجير حتى قبل أن يصبح هناك لها "دولة" و"جيش" أصلاً.
فيما تكشف البيانات الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في 6 يوليو 2026 أن النصف الأول من العام الجاري شهد تصعيداً غير مسبوق في اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه، مع تسجيل 11074 اعتداءً استهدفت الفلسطينيين وممتلكاتهم، تراوحت بين مصادرة الأراضي، والتوسع الاستيطاني، والتهجير القسري، والإعدامات الميدانية، وتجريف الأراضي، واقتلاع الأشجار، وإقامة الحواجز التي مزقت الجغرافيا الفلسطينية. وتركزت الاعتداءات في الخليل (2224 اعتداء)، تلتها رام الله والبيرة (2175)، ثم نابلس (2095) وبيت لحم (1137). كما وثقت الهيئة استشهاد 17 فلسطينياً على يد المستوطنين خلال ستة أشهر فقط، بينهم 9 شهداء في رام الله والبيرة و3 في نابلس و2 في كل من القدس والخليل، وشهيد في سلفيت، إلى جانب تهجير 26 تجمعاً بدوياً، منها 18 تجمعاً أُخليت بالكامل و8 تجمعات جزئياً.
وفي السياق نفسه، أقام المستوطنون 42 بؤرة استيطانية جديدة، معظمها بؤر رعوية، بينها 4 بؤر في المناطق المصنفة (ب) وفق اتفاق أوسلو، فيما تعرضت 45195 شجرة للقطع أو التدمير، بينها 26395 شجرة زيتون، في استهداف وصفته الهيئة بأنه جزء من سياسة ممنهجة لتفريغ الأرض الفلسطينية.
وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، في تقريره الصادر 28 يوليو 2026، هذا المنحى، موثقاً أكثر من 1330 اعتداءً نفذه مستوطنون منذ مطلع العام الجاري مقابل 1680 اعتداء للمستوطنين خلال عام 2025 كاملاً، وأسفرت الاعتداءات عن سقوط شهداء وإحراق منازل ومساجد ومنشآت زراعية، وتهجير 10 عائلات فلسطينية خلال أيام، فيما ارتفع عدد الفلسطينيين الذين قتلوا على يد قوات الاحتلال أو المستوطنين منذ بداية العام إلى 77 فلسطينياً، بينهم 18 طفلاً.
في حين بلغ عنف المستوطنين خلال العامين 2023-2025 مستويات غير مسبوقة، إذ استشهد 35 فلسطينياً على أيدي المستوطنين، فيما سُجل 7154 اعتداءً ارتكبها المستوطنون مباشرة، و9336 اعتداءً استهدفت الممتلكات والأماكن الدينية، أي بمعدل حادثتين يوميا، وشهد عام 2025 زيادة بالاعتداءات تتراوح بين 20% و25% مقارنة بالعام 2024.

وقالت الدراسة: "المستوطنون لم يتوزع عنفهم على مساحات الضفة بصورة عشوائية، بل اتخذ نمطاً جغرافياً واضحاً يعكس أولويات المشروع الاستيطاني. فقد تركزت الاعتداءات خلال عام 2025 الماضي في المحافظات التي تشهد كثافة استيطانية مرتفعة أو تضم أراضي زراعية ومناطق استراتيجية مستهدفة بالضم، وفي مقدمتها رام الله والبيرة (643 اعتداءً)، تلتها طوباس والأغوار الشمالية (532 اعتداءً)، ثم نابلس (501 اعتداء)، وسلفيت (473 اعتداءً)، والخليل (462 اعتداءً)، وأريحا (434 اعتداءً)، فيما سجلت بيت لحم (180 اعتداءً) وقلقيلية (137) وطولكرم (120) وجنين (50 اعتداءً). ويكشف هذا التوزيع أن مركز الثقل الاستيطاني يتركز في قلب الضفة الغربية والأغوار، حيث تتداخل البؤر الاستيطانية مع القرى الفلسطينية والأراضي الزراعية، بما يحول الاعتداءات إلى أداة لإعادة هندسة الجغرافيا لا مجرد أعمال عنف متفرقة.
وأشارت الدراسة أن هذه الأنماط أن البؤر الاستيطانية والمزارع الرعوية لم تعد مجرد تجمعات سكانية، بل تحولت إلى مراكز متقدمة لإدارة العنف وفرض السيطرة الميدانية، خصوصاً في المناطق المصنفة (ج) ومناطق التماس. وبهذا المعنى، لم يعد عنف المستوطنين سلسلة أحداث منفصلة، بل بات جزءاً من استراتيجية مكانية متكاملة تستهدف تفريغ الأرض الفلسطينية، وإعادة رسم الجغرافيا السكانية والزراعية في الضفة الغربية لصالح التوسع الاستيطاني.
التنظيمات الرسمية للاستيطان
وبينت الدراسة أنه تقود اعتداءات المستوطنين في الضفة شبكة متكاملة من الميليشيات والتنظيمات الرسمية وشبه الرسمية وغير الرسمية، تتوزع أدوارها جغرافياً ووظيفياً بما يخدم التوسع الاستيطاني، ففي كل كتلة استيطانية تقريباً تتمركز مستوطنة رئيسة تحيط بها بؤر استيطانية ومزارع رعوية تعمل تحت إشراف قادتها، وتشكل قواعد انطلاق للهجمات على القرى الفلسطينية المجاورة. وتضم هذه المنظومة "فتية التلال"، والمستوطنين الرعويين، وسكان البؤر الاستيطانية غير القانونية، ومجموعات الحراسة المسلحة، إلى جانب منظمات استيطانية أيديولوجية توفر التمويل والدعم القانوني واللوجستي، فضلاً عن خلايا "جباية الثمن" والمجموعات المتنقلة في شمال الضفة، وتتوزع أدوار هذه المجموعات بين تنفيذ الهجمات المسلحة، وإحراق المنازل والمحاصيل، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وسرقة المواشي، وشق الطرق، وإقامة البؤر الاستيطانية، وصولاً إلى تهجير التجمعات الفلسطينية وفرض وقائع ميدانية جديدة.
وتبرز ميليشيا "فتية التلال" بوصفها الأكثر تنظيماً وخطورة داخل هذه المنظومة، بعدما تحولت خلال السنوات الأخيرة من مجموعة شبابية متطرفة إلى ذراع ميدانية رئيسة للمشروع الاستيطاني. وتعتمد الميليشيا أسلوباً تنظيمياً مرناً يتيح لها إنشاء بؤر استيطانية خلال ساعات عبر الرعي والزراعة وشق الطرق الترابية، قبل أن تتحول إلى نقاط استيطانية دائمة تحظى بحماية جيش الاحتلال، بما يجعلها رأس الحربة في تنفيذ استراتيجية تقوم على توسيع السيطرة على الأرض وفرض واقع استيطاني جديد بالقوة.

وقد عززت حكومة الاحتلال هذا الدور منذ السابع من أكتوبر 2023 عبر أكبر برنامج لتسليح المستوطنين في تاريخ الاحتلال، فارتفع عدد حاملي الأسلحة الفردية من نحو 170 ألفاً إلى قرابة 300 ألف، وتجاوزت طلبات الحصول على تراخيص السلاح 200 ألف طلب، مُنح منها أكثر من 162 ألف رخصة، فيما وُزعت نحو 210 آلاف قطعة سلاح على فرق التأهب، ورُصد 395 مليون شيكل لبرامج التسليح والتجهيز، وإلى جانب التسليح يدرب جيش الاحتلال هؤلاء الميليشيات في معسكراته أو مناطق أخرى، إذ أشارت تقارير إلى أن مستوطنين كثيرين، ولا سيما جنود الاحتياط، باتوا جزءاً من البنية العسكرية العاملة في الضفة، بعد خضوعهم لتدريبات عسكرية في هضبة الجولان ومعسكرات داخل الضفة ، بما يعزز اندماجهم وتحولهم إلى قوة رديفة في الميدان.
تُعد أزمة التجنيد في الجيش الإسرائيلي واحدة من أعمق الصدامات البنيوية والسياسية في تاريخ إسرائيل؛ إذ يعاني الجيش عجزاً حاداً في القوى البشرية ونقصاً في الجنود بسبب الحرب المستمرة على جبهات متعددة، بالتزامن مع رفض قطاع واسع من اليهود المتشددين (الحريديم) أداء الخدمة العسكرية.









