القانون يحذر ولا يتهاون
صناعة المحتوى تحت المجهر.. من فيديوهات الرقص وحصد المشاهدات للمحاضر والتحقيقات
لم تعد صناعة المحتوى و فيديوهات الرقص على منصات التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للترفيه وجذب المشاهدات وتحقيق الانتشار، بعدما أصبحت بعض الممارسات التي تبدأ بفيديو قصير أو بث مباشر محل فحص قانوني، وقد تتطور في بعض الحالات إلى بلاغات ومحاضر وتحقيقات أمام جهات التحقيق المختصة.
وخلال السنوات الأخيرة، اتسعت دائرة الاهتمام القانوني بما ينشر من فيديوهات الرقص عبر منصات التواصل الاجتماعي، خاصة عندما تتضمن بعض المحتويات أفعالًا أو عبارات قد تمس القيم الأسرية والمجتمعية، أو تتضمن إساءة للآخرين، أو اعتداءً على الخصوصية، أو استخدامًا لوسائل التواصل في ارتكاب أفعال يعاقب عليها القانون.
الفاصل بين المحتوى المثير للجدل و فيديوهات الرقص والمحتوى الذي قد يترتب عليه مسؤولية قانونية لا يرتبط بمجرد عدد المشاهدات أو حجم الانتشار، وإنما بطبيعة الأفعال والمضامين التي يتضمنها المحتوى ومدى انطباق النصوص القانونية عليها.
فقد يبدأ الأمر بمقطع فيديو يحقق انتشارًا واسعًا، ثم تتقدم جهة أو شخص ببلاغ، أو ترصد الأجهزة المختصة محتوى محل شبهة، لتبدأ بعد ذلك إجراءات الفحص والتحقق من حقيقة الواقعة ونسبتها إلى صاحب الحساب أو القائم على نشر المحتوى.
ولا يعني تحرير المحضر أو ضبط أحد صناع المحتوى ثبوت الاتهام، إذ تظل الوقائع محل تحقيق، ويكون الفصل النهائي في المسؤولية الجنائية من اختصاص جهات التحقيق والمحاكم المختصة وفقًا للقانون.
صناعة المحتوى بين حرية التعبير والالتزام بالقانون
تتصدر فيديوهات الرقص والاستعراض قائمة المحتويات التي تحظى بانتشار كبير على منصات التواصل الاجتماعي، إلا أن الجدل حولها لا يتعلق في كل الحالات بالمحتوى الفني أو الترفيهي ذاته، وإنما بما قد يصاحبه من أفعال أو ألفاظ أو صور أو ممارسات ترى جهات التحقيق أنها تستوجب الفحص القانوني.
وفي هذه الحالات، يصبح معيار المسؤولية مرتبطًا بتفاصيل الواقعة و فيديوهات الرقص ومضمون المحتوى والظروف المحيطة به، وليس بمجرد تصنيف صاحبه باعتباره «صانع محتوى» أو «مؤثرًا» على مواقع التواصل.
ومع تحول منصات التواصل إلى مصدر رئيسي لتحقيق الدخل لبعض صناع المحتوى، أصبحت المشاهدات والإعلانات والتفاعل الجماهيري جزءًا من صناعة متكاملة، لكن الانتشار الواسع لا يمنح صاحبه حصانة من القواعد القانونية.
فكما يستطيع صانع المحتوى الوصول إلى ملايين المتابعين خلال فترة قصيرة، يمكن للمحتوى ذاته أن يصبح محل فحص عندما يتضمن ما قد يشكل مخالفة قانونية، وهو ما يجعل المسؤولية عن المحتوى المنشور عنصرًا أساسيًا في ممارسة هذه المهنة.
وتتسع دائرة المسؤولية المحتملة لتشمل ليس فقط صاحب الفيديو، وإنما قد ترتبط في بعض الوقائع بمن قام بإنتاج المحتوى أو تصويره أو نشره أو إعادة تداوله، بحسب دوره في الواقعة وما يثبت من أدلة وما ينص عليه القانون.
كما أن حذف الفيديو بعد انتشاره لا يعني بالضرورة انتهاء آثاره، خاصة إذا كان المحتوى قد جرى حفظه أو تداوله أو الاستناد إليه ضمن إجراءات قانونية، ولذلك أصبح التعامل مع المحتوى الرقمي يحتاج إلى قدر أكبر من الوعي بطبيعته وآثاره.
وتفرض طبيعة منصات التواصل تحديًا إضافيًا، إذ قد ينتقل الفيديو خلال ساعات من حساب محدود المتابعين إلى صفحات ومواقع متعددة، بما يضاعف من نطاق انتشاره وتأثيره.
ومن هنا، لم تعد صناعة المحتوى قائمة فقط على سؤال: «كم عدد المشاهدات التي حققها الفيديو؟»، وإنما أصبح من الضروري أن يسبق النشر سؤال آخر يتعلق بمدى توافق المحتوى مع القواعد القانونية، واحترام حقوق الآخرين وخصوصيتهم، وعدم استخدام المنصات في ارتكاب أفعال مجرمة.
وتظل حرية التعبير وإنتاج المحتوى من المساحات المهمة في المجال الرقمي، إلا أنها تمارس في إطار القواعد القانونية المنظمة، شأنها في ذلك شأن أي نشاط آخر.
وبذلك انتقلت صناعة المحتوى من مرحلة كان معيار النجاح فيها يرتبط بصورة أساسية بالمشاهدة والانتشار والتفاعل، إلى مرحلة أصبح فيها الوعي بالمسؤولية القانونية جزءًا من العمل نفسه، خاصة مع اتساع استخدام منصات التواصل وتأثيرها في المجتمع.
وفي النهاية، فإن الفيديو الذي يبدأ باعتباره محاولة لتحقيق «الترند» قد يتحول، بحسب مضمونه وظروف نشره، إلى موضوع لبلاغ أو محضر وتحقيق، لتصبح صناعة المحتوى أمام معادلة جديدة تجمع بين القدرة على جذب الجمهور، والالتزام بالقواعد القانونية التي تحكم ما ينشر ويذاع على الفضاء الرقمي.
