الدكتور محمد سيد أحمد لـ«الصفحة الأولى»
رواتب أساتذة الجامعات محكومة بقانون 1972.. والحل قرار رئاسي بمضاعفتها وربطها بالتضخم
أستاذ الجامعة ليس مجرد موظف حكومي، بل كانت مكانته المادية والاجتماعية تصان وفق استراتيجية تساويه بنظائره في الهيئات القضائية، وكان أجر العميد يعادل أجر رئيس المحكمة، قبل أن يُعيد قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972 رسم خريطة رواتب أعضاء هيئة التدريس، لتستقر عند حدود طرأت عليها تعديلات طفيفة ومحاولات إصلاح جزئية على مدار العقود الماضية دون أن تلمس أصل الأزمة.
ومع اتساع الفجوة بين الرواتب الأساسية ومتطلبات الحياة الكريمة التي تليق بقيمة وقامة العقل الأكاديمي المصري، يظل السؤال: ما سبب أزمة تدني رواتب أستاذة الجامعات، وهل تكفي التعديلات التشريعية لحلها، أم أن الملف يحتاج إلى قرارات استثنائية تُعيد لعضو هيئة التدريس هيبته وتدعم مكانته في منظومة التعليم الجامعي والبحث العلمي؟
وقال الدكتور محمد سيد أحمد، أستاذ علم الاجتماع السياسي، إن أزمة تدني رواتب أعضاء هيئة التدريس بالجامعات الحكومية، تعود في الأساس إلى تقادم التشريعات المنظمة لها، وإن المنظومة المالية للجامعات لا تزال محكومة بقانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972، والذي لم يطرأ عليه إصلاح جذري شامل يواكب متطلبات العصر ومعدلات التضخم المتعاقبة.
وأوضح الدكتور محمد سيد أحمد، في تصريحاته لـ «الصفحة الأولى»، أن الملف شهد محاولات سابقة للإصلاح التشريعي والمالي، كان أبرزها المشروع الذي طُرح في عام 2012، والذي كان يستهدف تحسين الدخول على ثلاث مراحل متتالية، إلا أنه لم يُنفذ منه سوى المرحلة الأولى فقط دون استكمال باقي المراحل المقررة.
وأشار أستاذ علم الاجتماع السياسي إلى أن الإصلاح الوحيد الملموس الذي شهدته اللائحة المالية تمثل في إعادة تقييم "بدل الجامعة"، حيث كانت القيم التاريخية المحددة بالسبعينات لا تتعدى 25 جنيهاً للمدرس، و30 جنيهاً للأستاذ المساعد، و35 جنيهاً للأستاذ المتفرغ، وتم تعديل هذه القيم عبر إضافة "صفرين" للبدل لتصبح 2500 جنيه للمدرس، و3000 جنيه للأستاذ المساعد، و3500 جنيه للأستاذ، وأن هذا التعديل يظل التطور الوحيد الذي طرأ على هذا البند منذ عقود.
وأكد أن غياب الاستمرار في تنفيذ خطة الإصلاح المالي الشاملة جعل الرواتب الحالية لا تتناسب مع القيمة العلمية والاجتماعية لعضو هيئة التدريس، ولا تلبي ظروف الحياة المعيشية والتضخم المالي المتزايد، لأن الإشكالية الحقيقية في هيكل رواتب أعضاء هيئة التدريس بالجامعات الحكومية تعود إلى تدني الراتب الأساسي، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على القيمة المالية للمعاش عقب التقاعد، مشيراً إلى أن المنظومة لا تزال تعاني من آثار تقادم التشريعات المالية المنظمة لها.
وقال إن المسار المالي للرواتب شهد محطات متعددة، فبعد تعديل عام 2012 الذي رفع بدل الجامعة عبر إضافة صفرين للقيم القديمة، تراوحت الرواتب حينها ما بين 7 إلى 8 آلاف جنيه، لتصل حالياً إلى ما بين 13 إلى 14 ألف جنيه تقريبا، وإنه شخصيا يتقاضى راتب لا يتخطى الـ 13 ألف جنيه، وبالتالي فأن هذه الزيادات لم تعالج أصل الأزمة المتعلق بالراتب الأساسي.
رواتب أساتذة الجامعات
وكشف أستاذ علم الاجتماع السياسي عن أن التطور الملموس الوحيد خلال الفترة الأخيرة تمثل في القرار الصادر عن رئيس الجمهورية عام 2018 بخصوص الأساتذة المتفرغين، أي من تخطوا سن الستين، ففي الوضع السابق كان الأستاذ المتفرغ يتقاضى فقط "الفرق بين المرتب والمعاش" عند استمراره في العمل بالجامعة.
أما في الوضع الحالي بعد القرار، فأصبح من حق الأستاذ المتفرغ الجمع بين الراتب كاملاً والمعاش كاملاً، استناداً إلى أنه ينفذ مهامه الأكاديمية والبحثية كاملة على رأس العمل، بالإضافة إلى حقه الأصيل في معاشه التقاعدي، وبالتالي فإن قرار إنصاف الأساتذة المتفرغين كان خطوة إيجابية وحقاً مستحقاً لهذه الفئة، إلا أن الملف بمجمله لا يزال يحتاج إلى مراجعة شاملة للراتب الأساسي لجميع أعضاء هيئة التدريس، بما يضمن لهم حياة كريمة تتناسب مع مكانتهم العلمية والظروف الاقتصادية الراهنة.
وأكد أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن معالجة ملف رواتب أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الحكومية لم تعد تحتمل الاكتفاء بالتعديلات التشريعية، مشدداً على أن الحل الحقيقي يتطلب إجراءات عملية مباشرة على الأرض تضمن معالجة جذرية للتدني الحاد في الدخول.
ولفت إلى أن المقارنة بين الدخل الحالي لأستاذ الجامعة ومتطلبات المعيشة تظهر تراجعاً كبيراً بالمقارنة مع الفترات التاريخية الماضية، حيث كان راتب الموظف الحكومي في الخمسينيات والستينيات يوفر حياة كريمة ومستقرة، في حين يعاني أساتذة الجامعات حالياً من عدم تناسب رواتبهم مع قيمتهم العلمية والمجتمعية.
وطرح أستاذ علم الاجتماع السياسي رؤية من خطوتين للنهوض بالمنظومة المالية لأعضاء هيئة التدريس، الأولى تتمثل في تحرك رئاسي عاجل بإصدار قرار بمضاعفة رواتب أعضاء هيئة التدريس فورا، من المعيد حتى الأستاذ.
والثانية تتمثل في الربط بمعدل التضخم، بمعنى ربط الزيادة السنوية لرواتب أعضاء هيئة التدريس بإجمالي المخصص المالي الشامل وليس الراتب الأساسي فقط، على أن تتحدد هذه الزيادة بناءً على نسب التضخم المعلنة رسميا من البنك المركزي مثل 20% أو 23% سنويا، لضمان حماية الدخل من التآكل المعيشي.
وشدد على أن التعديلات التشريعية وحدها غير كافية، فنحن نملك ترسانة من القوانين والنصوص الدستورية التي تقر مجانية التعليم وموازنات البحث العلمي، لكن العبرة بالتطبيق العملي، نريد قراراً يضاعف الرواتب فوراً ثم يربطها سنوياً بمعدلات التضخم.
وحذر الدكتور محمد سيد أحمد من أن استمرار هذا الوضع المالي يؤثر بحجم كبير على جودة العملية التعليمية والبحث العلمي في مصر، موضحاً أن تدني الرواتب يدفع الأستاذ الجامعي للبحث عن مصادر دخل إضافية، ما ينعكس سلباً على عطائه داخل المدرجات الأكاديمية.
واختتم تصريحاته بالإشارة إلى أن النشر الدولي في المجلات العلمية التصنيفية المرموقة (مثل Scopus) يتطلب إمكانيات وتمويلاً مالياً ضخماً لا يتحمله أستاذ الجامعة بمفرده، وهو ما ينعكس بدوره على ترتيب الجامعات المصرية في التصنيفات العالمية، مؤكداً أن الاستثمار في عضو هيئة التدريس هو المحرك الأساسي لأي نهضة تعليمية أو بحثية مرتقبة.








