جيل زد هو الجيل الذي جاء بعد جيل الألفية، وقبل جيل ألفا، جيل فتح عينيه على إضاءات الشاشات، وتربّى في عالم المسافة فيه بين الطلب والوصول مجرد ضغطة زر، لا يدري هذا الجيل فكره البحث الطويل عن المعلومة ولا يعرف الانتظار، ولا فكرة أن الوصول إلى ما يريد قد يستغرق وقتًا، كل شيء سهل وممكن وسريع.
فجيل زد يختلف عما سبقه من أجيال، واختلافه لا يشبه المتعارف عليه كمجرد اختلاف طبيعي بين الأجيال كما كان يحدث دائمًا، بل هو اختلاف جوهري أعمق وأوسع، فقد كبر هذا الجيل في بيئة رقمية بالكامل، وكبر جيل زد وكبرت معه الفجوة حتى أصبح هذا الجيل كأنه فريق مستقل داخل المجتمع؛ له لغته الخاصة، واهتماماته المختلفة، وثقافته المنفصلة، وحتى موسيقاه، أصبح له عالمه الخاص، وطريقته في التفكير، ونظرته المختلفة للحياة.
والأخطر أن انتماء اغلبيه هذا الجيل أصبح مرتبطًا بشكل كبير بالمادة والمال، ليس بدافع الجشع، بل نتيجة طبيعية لنشأته في زمن متقلب اقتصاديًا، وانفتاحه المبكر على العالم، فقد رأى هذا الجيل أن الاستقرار مرتبط بالقدرة المادية، وأن النجاح يقاس بما يمكن تحقيقه سريعًا وملموسًا، وجاء ذلك مع غياب الوعي المجتمعي الكافي بطبيعة هذا الجيل الذي لم يحصل على القدر اللازم من الاحتواء أو التوجيه، رغم حاجته الواضحة إلى انتباه أكبر، وانخراط أكثر في المجتمع.
واليوم، كبر جيل زد ومنهم من بدأ بالفعل في دخول سوق العمل، حتى وإن كان ذلك لا يزال في بداياته، إلا أن دخولهم إلى بيئة العمل سلط الضوء أكثر على الفجوة فالكثير ممن ينتمون إلى هذا الجيل ويعملون بالفعل يجدون صعوبة في التأقلم مع أشكال العمل التقليدية، سواء في فكرة الالتزام الصارم، أو التسلسل الإداري، أو أساليب التواصل الرسمية.
وفي المقابل، يجد من يعمل معهم من الأجيال السابقة صعوبة أيضًا في فهم طريقتهم المختلفة في التفكير والتعامل، ما يخلق فجوة واضحة داخل بيئة العمل نفسها، وهنا لا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد، فالأمر يتعلق باختلاف حقيقي في الخلفيات والتجارب.
فلسنا أمام زمن بعيد بل خلال السنوات القليلة المقبلة سيزداد حضور جيل زد وتأثيره حتى يصبح مع مرور الزمن القوى التي تقود المجتمع في مختلف المجالات، وهذا يعني أن ناقوس الخطر او على الاقل التنبيه قد بدأ بالفعل، فنحن لا نقف أمام اختلاف اجيال بل أمام جيل سيشكل ملامح المستقبل دون وعي كاف، وهنا تكمن أهمية اللحظة الحالية بأن علينا التحرك سريعًا لاحتضان هذا الجيل، والتقرب منه، وتعزيز ثقافته، وجذب انتمائه، وإشراكه بفاعلية داخل المجتمع.
مساحات الحوار
ولم يعد من الواقعي أن نحاول مخاطبة جيل زد بنفس الأدوات القديمة، فهذا الجيل يعيش داخل العالم الرقمي ويتنقل يوميًا بين تطبيقات مختلفة، لذلك فان من الضروري أن نتحدث معه بلغته، وأن نصل إليه من داخل عالمه من خلال المنصات التي يتابعها، والمحتوى الذي يراه، والأسلوب الذي اعتاد عليه، ومن خلال الحضور داخل الجامعات والمدارس، وفتح مساحات للحوار والتفاعل المباشر معه، ومن خلال المؤثرين والفنانين وخاصا الذين ينتمون الي نفس الجيل، ويشبهونه في اهتماماته وطموحاته.
كما من الضروري تمثيل هذا الجيل بشكل صادق في الدراما والأفلام بمشكلاته الحقيقية، وبوجهة نظره هو، لا بوجهة نظر الأجيال الأخرى حتى يصبح أكثر ارتباطًا بما يُقدَّم له وأكثر استعدادًا للتفاعل معه، فالفن يظل أحد أكثر الوسائل تأثيرًا في تشكيل الوعي، فمن خلال هذه المساحات، يمكن الوصول إلى هذا الجيل بشكل أكثر هدوءًا وتأثيرًا بعيدًا عن الخطاب المباشر أو الأساليب التقليدية في محاوله لتقليل الفجوة التي اتسعت مع الوقت بينه وبين الأجيال السابقة.
ويجب التنويه بأن هذا الاقتراب لا يهدف الي الفهم فقط؛ بل إلى إعداد هذا الجيل بشكل أفضل ليكون قادرًا على تحمل المسؤولية وقيادة المستقبل، خاصة أن السنوات المقبلة ستضعه في موقع التأثير وصنع القرار داخل المجتمع.








