و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

غرف الصدى الرقمية في تعميق الاستقطاب بين الجمهورين

مدير برنامج دراسات الإرهاب: تصاعد حرب المعلومات المضللة والشائعات بين مصر والسودان

موقع الصفحة الأولى

أكد الباحث محمد حسام ثابت، مدير برنامج دراسات الإرهاب والتطرف بمركز مسارات للدراسات الاستراتيجية، خلال تحليل موسع تناول طبيعة حملات التضليل الإعلامي الموجهة للعلاقات «المصرية - السودانية»، وما يرتبط بها من محاولات منظمة للتأثير في الإدراك العام وإعادة تشكيل اتجاهات الرأي العام في البلدين، في سياق يتقاطع مع ديناميات أوسع من حروب المعلومات والتأثير الرقمي العابر للحدود.
ورصدت القراءة تصاعدًا ملحوظًا في موجات الشائعات والمعلومات المضللة التي تستهدف تقويض الثقة المتبادلة بين الشعبين، من خلال توظيف انتقائي لمحتوى إعلامي مجتزأ، وإعادة تدوير وقائع محددة خارج سياقها الزمني والمؤسسي، بما يخلق حالة من الالتباس لدى المتلقي، ويعزز قابلية انتشار الروايات غير الدقيقة، خاصة في البيئات الرقمية التي تعتمد على السرعة والتفاعل اللحظي أكثر من التحقق والتحليل.
وأشارت القراءة إلى ما تم تداوله مؤخرًا بشأن مزاعم «الترحيل القسري» لمواطنين سودانيين من مصر، مقابل محاولات متعمدة لإعادة تأطير برامج «العودة الطوعية» ضمن سرديات سلبية، رغم كون هذه البرامج تتم وفق ترتيبات رسمية وتنسيق مؤسسي بين الجانبين، وتخضع لضوابط إجرائية وتنظيمية تستهدف تسهيل العودة في إطار إنساني منظم، وهو ما يكشف عن فجوة واضحة بين طبيعة الإجراءات الفعلية وطريقة تقديمها في الخطاب المتداول.
وسلطت القراءة الضوء على مجموعة من الأنماط المتكررة في هذه الحملات، من أبرزها نمط التضخيم الكمي الذي يعتمد على المبالغة في حجم الأحداث وإضفاء طابع التعميم عليها، بما يوحي بوجود ظاهرة واسعة النطاق رغم محدودية الحالات، إلى جانب نمط إعادة التأطير الذي يعيد تفسير الإجراءات القانونية والإدارية بوصفها ممارسات قمعية، متجاهلًا السياقات التشريعية والتنظيمية التي تحكم هذه الملفات، فضلًا عن توظيف الخطاب الحقوقي بصورة انتقائية تهدف إلى منح الادعاءات غطاءً شكليًا من المصداقية دون سند توثيقي كافٍ.
كما تناولت نمط بناء السرديات التي تصور الدولة المصرية كطرف مقصر أو غير ملتزم، من خلال ربط وقائع منفصلة في إطار سردي واحد يوحي بوجود سياسة ممنهجة، إلى جانب استغلال الأبعاد الإنسانية للأزمات بهدف إثارة التعاطف والتأثير العاطفي على الجمهور، وهو ما يسهم في تسريع انتشار المحتوى المضلل ويحد من قدرة المتلقي على إجراء تقييم موضوعي للمعلومات المتداولة، خاصة في ظل غياب مصادر تحقق مستقلة لدى شريحة واسعة من المستخدمين.

وأوضحت الدراسة أن هذه الحملات تندرج ضمن إطار أوسع من «حروب المعلومات»، حيث لم تعد الشائعات مجرد محتوى عفوي متداول، بل أصبحت أداة وظيفية ضمن استراتيجيات التأثير غير المباشر، تُستخدم لإعادة تشكيل الإدراك الجمعي والتأثير في العلاقات البينية بين الدول، عبر استهداف الثقة المؤسسية وتغذية الانطباعات السلبية، بما قد ينعكس على مستوى التفاعل الشعبي ويؤثر في مساحات التعاون المشترك.
وفي هذا السياق، أبرزت القراءة الدور المتنامي لخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي في تضخيم المحتوى المضلل، حيث تعتمد هذه الخوارزميات على مؤشرات التفاعل مثل المشاهدة والمشاركة والتعليق، دون تمييز كافٍ بين المحتوى الموثوق والمحتوى المضلل، ما يؤدي إلى إعادة نشر نفس الروايات عبر نطاقات واسعة، ويخلق ما يمكن وصفه بـ«الزخم الوهمي» الذي يمنح انطباعًا بوجود انتشار حقيقي واسع رغم أن جزءًا كبيرًا منه ناتج عن إعادة التدوير الآلي أو المنسق.

غرف الصدى الرقمية 


كما أشارت إلى تأثير غرف الصدى الرقمية في تعميق الاستقطاب بين الجمهورين، حيث يتعرض كل طرف لمحتوى يعزز تصوراته المسبقة، بما يؤدي إلى ترسيخ قناعات متباينة حول نفس الوقائع، ويحول النقاش من مستوى المعلومات إلى مستوى الانطباعات والهويات، وهو ما يزيد من صعوبة الوصول إلى أرضية مشتركة للفهم أو التقييم الموضوعي للأحداث.
وتطرقت الدراسة كذلك إلى البعد التقني المتعلق باستخدام حسابات آلية وشبكات منسقة تعمل على رفع معدلات التفاعل بشكل مصطنع، من خلال إعادة النشر المتزامن وتكثيف التعليقات والتفاعلات، بما يضفي على المحتوى طابعًا من الانتشار الواسع، رغم أن هذا الانتشار لا يعكس بالضرورة تفاعلًا حقيقيًا أو رأيًا عامًا عضويًا، بل يشير في كثير من الأحيان إلى عمليات تضخيم منظمة تستهدف توجيه الانتباه العام نحو سرديات محددة.
واختتمت القراءة بالتأكيد على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الردود التقليدية، نحو بناء منظومة متكاملة تجمع بين تعزيز التعاون البحثي المشترك، وتطوير الأداء الإعلامي القائم على التحليل والتفكيك، وتكثيف التنسيق المؤسسي، إلى جانب إدارة أكثر كفاءة للفضاء الرقمي عبر أدوات رصد وتحليل متقدمة، بالتوازي مع تعزيز الوعي المجتمعي بثقافة التحقق من المعلومات، بما يسهم في تقليل قابلية التأثر بالشائعات، ودعم استقرار العلاقات الثنائية على أسس من الفهم المشترك والمعرفة الدقيقة.

تم نسخ الرابط