بينما تنظر طهران إلى الجنوب _ ترصد أساطيل الولايات المتحدة المصطفة ببحر العرب، وتحشد قواتها وتعد صواريخها لتحصن مضيق هرمز، يبدو أن هناك ملامح "طعنة ظهر" تطبخ على نار هادئة في الشمال، حيث أذربيجان، بلا ضجيج إعلامي صاخب _ كما في البحر الجنوبي، لكن محركات الطائرات الأمريكية تحلق في سماء باكو شمالي إيران.
ربما تغيير في اتجاه بوصلة الضربة الأمريكية، التي تلوح بها أمريكا، وقد تأتي من "باكو"، العاصمة القوقازية الهادئة، التي تحولت إلى نقطة ارتكاز عسكري أمريكي عبر جسر جوي مكثف، وطائرات شحن عملاقة تهبط تباعا، في مشهد يتجاوز حدود "التعاون العسكري" إلى ما يشبه بناء قاعدة انطلاق هجومية ملاصقة للحدود الشمالية لإيران.
واشنطن، أصبحت لا تلوح بعصا التهديد فحسب، بل دأبت في الحصار الكامل من الشمال بالقرب من طهران؛ لتضع واشنطن عصاها على الطاولة بعدما كانت لهش بها فقط بالجنوب.. فلم تعد جبهة القوقاز، هامشية في الحسابات الأيرانية الأمريكية، بل أصبحت الجناح الشمالي سيناريو محتمل قد تستخدمه واشنطن ضد طهران لكن السؤال الذي يفرض نفسه؛ هل انشغلت طهران بتأمين المضائق والجنوب، ونسيت أن حدودها الشمالية – الممتدة 689 كيلومترا مع أذربيجان _ هي الأكثر هشاشة وتعقيدا؟!، سماء باكو وما يحضر بها، بمحركات طائرات الشحن الاستراتيجية، التي تضعنا أمام نمط تحرك ما قبل "العمليات الجراحية" الكبرى؛ من ضربات دقيقة، سريعة، من الخلف، تستهدف مراكز حساسة، وعلى رأسها المنشآت النووية الإيرانية.
إيران وأذربيجان تاريخ مشترك
القوقاز، الهادئ، تحول من مجرد مسرح ثانوي، إلى شوكة في خاصرة إيران الشمالية، المفتوحة تاريخيا، والمعقدة إثنيا، والقابلة للاشتعال سياسيا وأمنيا.. فرغم الروابط الدينية والثقافية العميقة، خاصة أن الأغلبية شيعية في إيران وأذربيجان، وتاريخ مشترك قبل أن تفصل معاهدات القرن التاسع عشر أراضي أذربيجان الحالية عن إيران.. لكن الجغرافيا تحولت الآن من نعمة إلى بل عبء ثقيل على إيران.
ومن المناورات العسكرية على أرض كلا البلدين قرب الحدود، وتدريبات عسكرية، وتحول مفصلي للمعادلة على أرض القوقاز بتقارب أذربيجان مع تركيا وإسرائيل، مقابل علاقات إيرانية أكثر دفئا مع أرمينيا الجارة المعادية لأذربيجان، ما تعتبرته باكو "خيانة".. ليزداد التوتر بين البلدين إلى حرب إعلامية تزيد التوتر شيئا فشيئا، خاصة أن إيران ترى الوجود الأمني والاستخباراتي الإسرائيلي في أذربيجان خط أحمر إيراني، ومنصة متقدمة لاختراق أمنها الداخلي؛ لكن إيران تدرك أن أي انزلاق غير محسوب مع باكو قد يفتح بابا لا يمكن إغلاقه؛ اضطرابات داخلية، نزعات انفصالية، وربما شرارة فوضى في الشمال الغربي.. فطهران تتعامل مع باكو باعتبارها ملف أمن قومي بالغ الحساسية، لا يحتمل المغامرة.
لكن السؤال الأخطر؛ هل يكفي ضبط النفس، إذا كانت الأرض تمهد عسكريا من الطرف الآخر؟!.. وهل تأت الضربة المفاجئة من أراضي أذربيجان؟!، وهل يتحول الشمال إلى جبهة مكملة للجنوب، ونقطة الاختراق المحتملة لإيران مع العدو الأول واشنطن وتل أبيب.. وهل الحشد الجنوبي خديعة لتأت الضربة الموجعة لطهران من الشمال؟!.. أسئلة ستكشف عنها الأيام المقبلة في الصراع الإيراني الغربي.






