و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

في الوقت الذي تمارس فيه الإدارة الأمريكية حربها النفسية والإعلامية على إيران واستعراض قوتها العسكرية بالدفع بعدد كبير من أصولها العسكرية لمنطقة الشرق الأوسط، وتهديد ووعيد متبادل بين واشنطن وطهران، يسطع بصيص أمل لأبعاد المنطقة عن دراما الحرب التي تعيشها منذ زمن بعيد،  وتفاديا لتنفيذ مخطط تقسيم الشرق الأوسط لصالح إسرائيل، التي تضغط على واشنطن لخوض الحرب ضد إيران.

 جرت مفاوضات لجس النبض بين طهران، وواشنطن بالعاصمة العُمانية مسقط، وفقا لتصريحات المسؤولين الإيرانيين "فإن هذه الاجتماعات ستُظهر إذا كانت أميركا تعتزم إجراء محادثات جادة وهادفة لتحقيق نتائج على أسس عادلة ومنصفة، تحفظ مبادئ الكرامة الوطنية، وبعيدة عن التهديدات والمطالب غير المعقولة"، فيما يراها ترامب فرصة لسماع الإيرانيين ومعرفة ما لديهم، معرباً عن أمله في التوصل لاتفاق مقنع يضمن عدم امتلاك طهران سلاحاً نووياً.

 في المقابل أبدت إيران رغبتها في التفاوض على الملف النووي، لكونها لا ترغب في امتلاك سلاح نووي عسكري، خاصة وأن عقيدتهم تحرم إنتاج السلاح النووي أو امتلاكه ولا يمكن تبديل ذلك لأوامر عملية، وذلك يساعد ترامب على تحقيق صفقته.

ترامب يصطدم بطموح نتنياهو 

الواضح أن ترامب لديه طموح شخصي بأن يكون صانع سلام بالتوصل لاتفاق مع إيران دون عملية عسكرية، للحصول على تذكرة ذهبية للحصول على جائزة نوبل، بتحقيق المستحيل الذي فشل فيه الجميع بأسلوبه البادئ بالصدام والمنتهي بالسلام، لذلك يسعى ترامب لعقد صفقة بنصف انتصار، ومن المرجح تنازله عن تفكيك الصواريخ أمام الإصرار الإيراني كما جاء على لسان وزير خارجيتها عباس عراقجي "برنامج الصواريخ قضية دفاعية غير قابلة للتفاوض"، كما تم إبلاغ الجانب الأمريكي في مسقط أن الصواريخ "خط أحمر"، وطهران لن تتفاوض تحت لغة التهديد بالسفن.

وبمنطق التاجر الشاطر، يرغب ترامب أيضاً في رفع العقوبات لإعادة النفط الإيراني للسوق واستقرار أسعار الطاقة العالمية، وهو ينعكس على الاقتصاد الأمريكي بالإيجاب، وتفويت الفرصة على الصين بشراء النفط الإيراني بأسعار أقل من السعر العالمي، فضلاً عن أن ترامب سيعلن تصفير التخصيب أو خفضه انتصار ساحق، معتبراً أنه أوقف القنبلة النووية الإيرانية.

ترامب يريد أيضاً تهدئة الوضع في الشرق الأوسط لتنفيذ مخططه في قطاع غزة "ريفييرا الشرق الأوسط" والتنقيب عن الغاز المتراكم أمام شاطئ غزة، لإدراكه بقدرة إيران على إفساد أي مشروع إعماري أو استثماري بالقطاع، لذلك يرغب في تحييدها باتفاق نووي في المرحلة الأولى لتأمين مشروعه، مع علمه بأن الحرب مع إيران ستكون تدمير للهيبة العسكرية الأمريكية، مما يضعف موقفه أمام الصين وروسيا.

المشكلة التي تواجه استراتيجية ترامب الاقتصادية، أوالسلام عن طريق الاقتصاد، هي التصادم مع طموحات نتنياهو التوسعية لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى في ظل ضعف القوى الإقليمية، وبسببها يغلق كل منافذ التسوية الترامبية، بعد أن رأى إمكانية تحقيق الحلم باحتلال جنوب سوريا والتوغل في القنيطرة ودرعا، مما يفسد محاولات ترامب تثبيت حكم أبو محمد الجولاني "أحمد الشرع حالياً".

وفي لبنان يصر على الاحتفاظ بخمس نقاط وزادهم لسبع نقاط حدودية استراتيجية، مما يعيق خطة مشروع "مدينة ترامب الاقتصادية" بالجنوب اللبناني بتمويل خليجي ودولي، وكذلك يرى نتنياهو في مشروع "ريفييرا الشرق الأوسط" بقطاع غزة عائق لحلم إسرائيل الكبرى، الذي يرى أن لديه فرصة ذهبية لتحقيقه نتنياهو يعلم أن ترامب "تاجر سياسة" لذلك هو يحاول خلق واقع جغرافي جديد لا يمكنه من التفاوض عليه، أو تقديم ضمانات، لأن إسرائيل ستكون صاحبة الأرض فعلياً.

الهيبة ولغم الطموح 

ترامب حالياً في مأزق يريد عقد صفقة مع إيران "النووي مقابل رفع العقوبات" لتهدئة التوتر لتنفيذ مشاريعه الاقتصادية بالمنطقة، وأن يكون صانع سلام للحصول على نوبل، وطموح نتنياهو بتحقيق حلم إسرائيل الكبرى ضد صفقات ترامب الكبرى.

ترامب إذا سمح لنتنياهو بالاستمرار في تنفيذ مخططاته، وجموح توجيه ضربة لإيران سيكون قد ورط أمريكا في حرب تدمر هيبتها العسكرية، وفجر مفاوضات مسقط، لأن طهران لن تقبل بإبرام اتفاق بينما حلفاؤها وجيرانها يسقطون تحت الاحتلال الإسرائيلي، وإذا ضغط على إسرائيل سيصطدم باللوبي الصهيوني في واشنطن.

التقارير الأمريكية تقول "إن ترامب لا يحب من يسرق منه الأضواء، أو يفسد عليه صفقاته، خاصة وأنه يسابق الزمن للحصول على نوبل للسلام، ونتنياهو يسابق لتثبيت إسرائيل الكبرى، لذلك تتوقع التقارير تصادم عنيف بينهما، كما تشير التقارير إلى أن ترامب بدأ يفقد صبره، وذلك وضح في خطاب له لمح فيه إلى أن تأمين الحدود يجب أن يكون عبر الاتفاقات وليس الدبابات فقط، لإدراكه أن الازدهار لن يتحقق إذا تحولت المنطقة لكانتونات عسكرية إسرائيلية.

ترامب كتاجر يكره الخسارة، وبعقلية المطور العقاري، الذي ينظر للدول على أنها بنوك ومخازن للنفط والمعادن، وبمنطق الربح والخسارة يرى نتنياهو "مشروع خاسر" يجب التخلص منه لأن المليارات التي أنفقتها أمريكا في حروب إسرائيل التوسعية هي أموال ضائعة لا تجلب عائد اقتصادي، وطموحات إسرائيل الكبرى تفسد مشروعه الكبير بتحويل الشرق الأوسط لمنطقة تجارة حرة ومنتجعات عالمية (مثل غزة وجنوب لبنان) كما أن ترامب يريد تدوير خزائن الخليج كمصدر تمويل، وخزان النفط الإيراني الهائل، ومصدر الطاقة والمعادن الروسي ضمن الاقتصاد الأمريكي، وبتلك النظرة يعتبر ترامب نتنياهو عقبة يجب إزالتها لإتمام الصفقة بسبب تهديده لإيران وإشعال المنطقة. 

الأمر الهام أيضاً، ان ترامب يعلم أن نتنياهو بات يقسم المجتمع الإسرائيلي، وتسبب في إضعاف إسرائيل دولياً، وهنا تتحدث التقارير أن ترامب يفضل التعامل مع مقاول إسرائيلي جديد يقبل بحدود واضحة ويسمح بمرور صفقة القرن، لذلك يتوقع كثير من المحللين أن ترامب لن يضحي بمصالح الشركة الأم "الولايات المتحدة الأمريكية" من أجل فرع متعثر "نتنياهو وطموحاته"، ولهذا السبب سيبيع نتنياهو تحت شعار "لقد قدمت له كل شيئا وهو لم يقدم لي السلام الذي وعدني به".

 كما أنه يستطيع الصمود أمام اليمين الإسرائيلي واللوبي الصهيوني في واشنطن بأوراق قوة لم يمتلكها أي رئيس أمريكي سابق بتذكيرهم بأنه هو من صنع إسرائيل الحالية بقراراته (الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده لها، والاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان، والاتفاقات الإبراهيمية) لذا، هو يرى نفسه صاحب فضل وليس مديناً بالفضل للوبي الصهيوني، الذي قال عنه ترامب في ديسمبر 2025، بأنه فقد تأثيره في الكونجرس.

 وهي إشارة واضحة بأنه لم يعد يخشى مقصلة "أيباك"( لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، وهي مجموعة ضغط تدافع عن السياسات المؤيدة لإسرائيل لدى السلطتين التشريعية والتنفيذية للولايات المتحدة).

ولا زلنا نتابع المسلسل، وننتظر ما تسفر عنه الحلقات القادمة.

تم نسخ الرابط