في الجلسة الافتتاحية للاجتماع العربي للقيادات الشابة
الأمين العام لجامعة الدول العربية: الشباب العربي أكبر ثروة تمتلكها المنطقة
ابدي الأمين العام لجامعة الدول العربية في الجلسة الافتتاحية من «الإجتماع العربي للقيادات الشابة» سعادته بكونه بين الحضور في دولة الإمارات العربية المتحدة، هذه الدولة التي قدّمت نموذجًا عربيًا ملهمًا في صناعة المستقبل، وفي تحويل الطموح إلى إنجاز، والرؤية إلى واقع ملموس ويسعدني أن أشارككم افتتاح «الاجتماع العربي للقيادات الشابة 2026»، هذا المحفل العربي الذي يزداد أهميةً عامًا بعد عام، لأنه لا يكتفي بالاحتفاء بالشباب، بل يعمل على تمكينهم، وتطوير قدراتهم، وبناء شبكات تواصلهم، وتوسيع مساحة تأثيرهم في محيطهم الوطني والعربي.
وتابع أن الاجتماع يأتي وسط تحولات وتغيرات مذهلة في تسارعها، مفاجئة في طبيعتها القواعد الراسخة صارت محل شك، والمؤسسات المستقرة أصبحت موضع تساؤل ومراجعة، في هذا الواقع السائل والمتحرك تعاد صياغة مفاهيم النفوذ والتنمية والاقتصاد والعمل وتتسابق الأمم لكي تجد لنفسها مكاناً في هذا المعترك يضمن الرفاهية لشعوبها والأمن – بمعناه الشامل – لسكانها.
وفي هذا العالم الجديد، لم يعد السؤال: هل نحتاج إلى الشباب؟ فالإجابة واضحة، بل أصبح السؤال الأهم: كيف نصنع من شبابنا قياداتٍ قادرة على إدارة هذا التحول، وعلى تحويل التحديات إلى فرص، وعلى بناء مستقبلٍ يليق بأمتنا وتاريخها وإمكاناتها؟
إننا حين نتحدث عن الشباب العربي، فإننا نتحدث عن أكبر ثروة تمتلكها منطقتنا ثروةٌ ليست في العدد فقط، بل في الطاقة الكامنة، وفي الطموح، وفي القدرة على التجديد والإبداع، وفي الاستعداد الفطري للتعلّم السريع والتكيف مع المتغيرات وكأنها ثروة تحتاج إلى بيئةٍ حاضنة، وإلى مسارات واضحة وإلى أدوات تمكينٍ حقيقية تجعل من الشباب شركاء في التنمية وصناعة القرار، لا مجرد متلقين للخطط أو أدوات لتنفيذ البرامج.
ومن هنا تأتي أهمية «الاجتماع العربي للقيادات الشابة» بوصفه منصةً عربية جامعة، تتجاوز فكرة اللقاء التقليدي إلى مفهومٍ أعمق وأكثر استدامة: مفهوم بناء القيادات الشابة العربية، وتوسيع شبكات تواصلها، وخلق فضاءٍ عربي مشترك للحوار وتبادل الخبرات، وللتعلم من التجارب الناجحة، ولصياغة رؤى عملية تترجم طموحات الشباب إلى مبادرات قابلة للتنفيذ
وأكمل قائلًا ما يميز هذا الاجتماع أنه لا ينطلق من فكرة "الخطاب إلى الشباب"، بل من فكرة "الشراكة مع الشباب" فهو يفتح المجال أمامهم ليعبّروا عن تطلعاتهم، ويطرحوا أسئلتهم، ويقدموا مبادراتهم، ويتبادلوا تجاربهم، ويستفيدوا من خبرات المؤسسات والقيادات والخبراء إنه مسارٌ يرسّخ قناعةً مهمة: أن القائد الشاب لا يولد صدفة، بل يُصنع ضمن منظومةٍ تتبنى الكفاءة، وتكافئ الاجتهاد، وتمنح الثقة، وتفتح أبواب التجربة والمسؤولية.
والثقة هي كلمة مفتاحية فيزعجني كثيراً أن تسعى الأجيال الأقدم إلى إلصاق خصائص سلبية بالجيل الأحدث- المسمى جيل (X)- والذي ينضم إلى سوق العمل في هذه السنوات فهو، في نظر البعض، منفصلّ عن حركة المجتمعات، يميل للانعزال والوحدة ربما بسبب الالتصاق بالسوشيال ميديا أو بسبب تجربة كوفيد إلى غير ذلك من التوصيفات التي تطلق بغير تدفيق، وتسهم- من حيث لا تقصد- في حرمان هذا الجيل من أهم حقوقه علينا وهي أن نمنحه الثقة في تحمل المسئولية والتعلم بمنطق التجربة والخطأ.
الخصائص النفسية
إن الاقتراب من هذا الجيل، تفهماً لقيمه وإدراكاً لخصائصه النفسية، هو فرض عين على كل النخب في مجتمعاتنا ذلك أن احتضان أبنائه وحشد طاقاتهم سيمثل الفارق الحقيقي لمجتمعات كثيرة تُعرف بأنها مجتمعات شابة أي بها نسب عالية جداً من الشباب تحت الثلاثين ومنها مجتمعاتنا العربية بكل تأكيد.
إن الاستثمار في القيادات الشابة ليس مجرد تدريبٍ أو ورش عمل بل هو مشروعٌ متكامل يبدأ من التعليم، ويمر ببناء المهارات ويتوسع إلى تمكينٍ اقتصادي يفتح آفاق الريادة والمشاريع الناشئة، وتمكينٍ رقمي يضع أدوات المستقبل في يد الشباب وتمكينٍ مؤسسي يمنحهم مساحة حقيقية للمشاركة في صنع القرار، وفي قيادة المبادرات داخل مجتمعاتهم.
لقد أثبتت التجارب أن الأمم التي نجحت في بناء مستقبلها هي تلك التي أحسنت الاستثمار في شبابها، ومنحتهم الثقة، ووفرت لهم الأدوات، وفتحت أمامهم المسارات وإن منطقتنا العربية، بما تملكه من طاقات شبابية واسعة، قادرة على أن تصنع قصة نجاح جديدة، متى ما اجتمعت الإرادة السياسية مع الرؤية التنموية، ومع البيئة الداعمة للابتكار والريادة.
وفي هذا السياق، أود أن أشير إلى أن اجتماع مجلس وزراء الشباب والرياضة العرب الذي انعقد مؤخراً قد اتخذ جملةً من القرارات المهمة التي من شأنها أن تُسهم في تطوير منظومة العمل الشبابي العربي، وتعزيز برامج إعداد القيادات الشابة، ورفع كفاءة المبادرات المعنية بالتمكين وبناء القدرات وهي قرارات تعكس إرادة عربية واضحة للانتقال من دائرة الطموحات العامة إلى مسارٍ عملي أكثر فاعلية، يضع الشباب في صدارة الأولويات، ويمنحهم أدواتٍ حقيقية للتأثير والمشاركة وصناعة المستقبل ومن هنا، فإن اجتماعنا اليوم يأتي امتدادًا طبيعيًا لهذا التوجه العربي الجاد، وترجمةً عمليةً لروح تلك القرارات على أرض الواقع.
وإن نجاح هذا الاجتماع لا يقاس فقط بما يطرح من أفكار بل بما سيُترجم إلى مبادرات وبرامج وشراكات ومشاريع ملموسة إننا نريده اجتماعًا يخرج برسائل واضحة، وبمخرجات عملية قابلة للتنفيذ، تعكس طموح الشباب العربي وتستجيب لتحدياته، وتفتح أمامه آفاقًا أوسع للمشاركة والتأثير.
وفي الختام، أجدد الترحيب بكم جميعًا، وأتمنى لأعمال “الاجتماع العربي للقيادات الشابة 2026” كل النجاح والتوفيق وأتوجه بالشكر لدولة الإمارات العربية المتحدة على استضافتها الكريمة، وعلى ما تقدمه من نموذجٍ عربي رائد في دعم الشباب وتمكينهم من أجل صناعة مستقبل يليق بهم وبهذه الأمة الحية النابضة.







