لم تعد علاقة الطفل بمواقع التواصل الاجتماعي علاقة استخدام عابر، بل تحولت إلى علاقة تفاعلية معقّدة تُعيد تشكيل الوعي والذوق واللغة، بل وتعيد تعريف مفاهيم الطفولة نفسها ، فالسؤال لم يعد مقتصراً على كيف نمنع الضرر، وإنما على من يمارس فعل التربية اليوم: الأسرة، المدرسة، أم الأنترنت والمنصات المختلفة؟
في الماضي، كانت الطفولة تمر عبر مؤسسات واضحة المعالم؛ البيت والمدرسة والكتاب ، أما اليوم، فقد تسللت الشاشة لتصبح معلماً غير مرئي، يقدّم دروسه بلا منهج ولا رقابة، ويزرع قيمه عبر الإيقاع السريع والصورة الجذابة والمكافأة الفورية ، وهنا تكمن الخطورة ، لا في التكنولوجيا ذاتها، بل في الفراغ التربوي الذي سمح لها بأن تحتل هذا الموقع.
من وجهة نظرى، أرى أن دعوات تنظيم استخدام الأطفال لـمواقع التواصل محاولة نحو الطريق الصحيح وإن كانت متأخرة لإعادة الاعتبار لفكرة الحدود في عالم يقدّس الإتاحة المطلقة ، غير أن هذه الحدود، إذا لم تُبنَ على فهم عميق لطبيعة العصر، قد تتحول إلى جدران عازلة تفصل الطفل عن واقعه بدل من أن تحميه منه.
مصدر تهديد
فمواقع التواصل ليست فقط مصدر تهديد، بل أيضاً مساحة لإنتاج المعنى، وتشكيل الهوية، واكتشاف العالم ، فيها يتعلم الطفل التعبير عن نفسه، ويتعرض لأفكار جديدة، ويكتسب مهارات رقمية باتت جزءاً من الثقافة المعاصرة ، والمفارقة أن إقصاءه عنها خوفاً علية قد يضعه في موقع أضعف، ثقافياً ومعرفياً، من أقرانه في عالم لا يعترف إلا بالمتصلين به.
التحدي الحقيقي، إذن، ليس في سنّ قانون يمنع أو يسمح، بل في بناء مشروع ثقافي موازي، يعيد تعريف دور الأسرة باعتبارها شريكاً في التربية الرقمية، ويمنح المدرسة أدوات حديثة لتعليم التفكير النقدي، لا مجرد التحذير ، فالقانون، مهما بلغ من الدقة، لا يستطيع أن يزرع الوعي، بل إنة فقط يحدد الإطار.
إن أخطر ما قد نفعله بأطفالنا هو أن نتركهم وحدهم أمام الشاشة، أو أن نغلق الشاشة في وجوههم دون بديل ، فالطفولة ليست مرحلة ينبغي تجميدها خارج الزمن، بل مساحة يجب تمكينها من العبور الآمن إلى المستقبل.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نملك الشجاعة للانتقال من تربية تقوم على الخوف إلى تربية تقوم على الوعي؟ فهناك فقط، يمكن للتكنولوجيا أن تتحول من تهديد إلى أداة، ومن خطر إلى فرصة.








