في عام 2026 ومع إنتهاء برنامج صندوق النقد الدولي الذي بدأ في نوفمبر 2016 تدخل الدولة مرحلة جديدة من الإصلاحات لم تعد مقتصرة على المؤشرات المالية بل إمتدت لتشمل الجهاز الإداري وسوق العمل ومستقبل الخدمات العامة، إذ كان الهدف المعلن منذ البداية معالجة مواطن الضعف في الإقتصاد الكلي، وتعزيز النمو لكن الواقع أفرز تحديات أكثر تعقيدًا تتعلق بالوظائف الحكومية، والتعاقدات مع الشركات الخاصة، وضمان حقوق العاملين الذين يشكلون العمود الفقري لتقديم الخدمات للمواطنين بعد خروج الآلاف من الموظفين إلى التقاعد وترك فراغ كبير دون تعويضهم بتعيينات جديدة الأمر الذي إنعكس بشكل مباشر على قطاعات حيوية تعاني أصلًا من قلة الكوادر مقارنة بملايين المواطنين الذين يتلقون الخدمة لديها حيث بات الضغط يتزايد على العاملين الباقين ، وتراجعت قدرة المؤسسات على تلبية احتياجات الجمهور في ظل ضوابط عامة لم تميز بين القطاعات الحساسة وغيرها مما يهدد إستمرارية الخدمات الأساسية ويضع خطط التنمية أمام تحديات كبيرة.
الحكومة تراهن على التحول الرقمي لتقليل الحاجة إلى موظفين ميدانيين، لكنها تدرك أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي لتعويض الخبرات البشرية المتراكمة، لذلك تبرز الحاجة إلى تثبيت من يتم الإستعانة بهم في مواقعهم لضمان استقرار الجهاز الإداري مع وضع آليات واضحة تكفل حقوق المتعاقدين الذين يعملون عبر شركات خاصة تخضع بصورة غير مباشرة لإشراف حكومي، هؤلاء لم يعودوا قوة مؤقتة بل أصبحوا ركيزة أساسية للعديد من القطاعات والجهات الحكومية، ومن ثم يجب أن يمنحوا نفس الحقوق التي يتمتع بها الموظفون الحكوميون بما يشمل التأمين الصحي والاجتماعي والقانوني حتى لا يتحولوا إلى أزمة حال الإستغناء عنهم بعد انتهاء دورهم نهاية هذا العام، وأن تعمل الحكومة علي استقرار العمل وتقديم الخدمات للمواطنين
الشركات الخاصة التي باتت تشكل ما يقارب 90٪من القوة التشغيلية في العديد من الجهات الحكومية الخدمية الحساسة، أصبحت طرفًا رئيسيًا في المعادلة فهي توفر المرونة والكفاءة لكنها تثير مخاوف بشأن العدالة الإجتماعية مستقبلًا إذ تتحول الوظائف من ضمان حكومي إلى عقود مؤقتة بلا استقرار طويل الأمد، وهنا يطرح السؤال نفسه هل استعدت الحكومة لكيفية التعامل مع هؤلاء حال الإستغناء عنهم وهل وفرت البديل الحكومي من خبرة وكفاءة؟!
أما الشباب الباحثون عن عمل فقد وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد بعد إنتهاء برنامج الصندوق حيث لم يعد التوظيف الحكومي هو الخيار الأول بل أصبح القطاع الخاص هو المحرك الأساسي للتوظيف والحكومة تتحدث عن برامج تدريب وتأهيل لكن التحدي يكمن في مدى قدرة هذه البرامج على إستيعاب حجم البطالة المتزايدة وإذا لم تفتح قنوات واضحة لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة تحت مراقبة حكومية وضمان مالي وتامين اجتماعي، فإن الشباب قد يواجهون موجة إحباط جديدة تنعكس على الإستقرار الإجتماعى.
ملف المنتدبين الذين قضوا سنوات في جهات مغايرة لأماكنهم الأصلية يحتاج أيضًا إلى معالجة عادلة تضمن لهم الإستقرار الوظيفي وتعيد تثبيتهم في مواقعهم المنقولين إليها، هؤلاء يمثلون خبرات تراكمية لا يجوز التفريط فيها بل يجب أن يكونوا جزءًا من الحل لا من الأزمة والحكومة تبدو مستعدة على الورق; عبر خطط التحول الرقمي وإعادة هيكلة الجهاز الإداري والتوسع في الشراكات مع القطاع الخاص لكن التحدي الحقيقي يكمن في سرعة التنفيذ ومدى قدرة هذه الحلول على سد الفجوة الناتجة عن تقليص التوظيف الحكومي، فالمواطن لا يعنيه حجم العجز أو عدد العقود بقدر ما يعنيه أن يجد الخدمة متاحة بجودة عالية وأن يشعر بأن الدولة قادرة على حماية حقوق من يقدمون له هذه الخدمة.
وأخيرًا وهي تغلق صفحة برنامج صندوق النقد الدولي تفتح الحكومة صفحة جديدة عنوانها إصلاح إداري شامل يضع استقرار الإنسان في قلب المعادلة موظفًا كان أو مواطنًا فإذا نجحت الحكومة في تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس فإن الجهاز الإداري لن يكون مجرد مؤسسة بيروقراطية، بل ركيزة صلبة لإستقرار الدولة، ونموها في السنوات المقبلة، حيث يصبح الإصلاح الإقتصادي مقرونًا بالعدالة الإجتماعىة ويغدو المواطن هو المستفيد الأول من معادلة صعبة لكنها ممكنة إذا ما أديرت بحكمة وبصيرة.








