و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

يوم الأربعاء 7 يناير 2026، بينما يحتفل الأخوة المسيحيين بعيد ميلاد المسيح عليه السلام، كنا نقرأ تدوينة لقائد تنظيم الولايات المتحدة النازي الإرهابي عبر منصة "تروث سوشيال" يهاجم فيها حلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، مؤكداً أن روسيا والصين تخشيان الحلف لوجود الولايات المتحدة عضوًا فيه لنفاجئ بخبر، لم نصدقه في بدايته، ثم تأكدنا من صحته، استولت الولايات المتحدة النازية الإرهابية على ناقلة نفط ترفع العلم الروسي تدعي مارينيرا، كانت تلاحقها غواصة روسية، بعد مطاردتها لأكثر من أسبوعين عبر المحيط الأطلسي في إطار الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على الإمدادات النفطية المرتبطة بفنزويلا وكعادتها أصدرت روسيا بياناً تندد فيه بالواقعة التي تعد انتهاك صارخ لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وأنه لا يحق لأي دولة استخدام القوة ضد السفن المسجلة ضمن الاختصاص القضائي لدول أخرى في أعالي البحار، معتبرة أن استخدام القوة العسكرية ضد ناقلة تجارية يمثل سابقة خطيرة وتعدياً على حرية الملاحة الدولية. 
في التفاصيل يقول العميد المتقاعد والباحث العسكري والسياسي اللبناني عمر معربوني، إن الناقلة كانت تُبحر شمال  المحيط الاطلسي على بعد 4000 كلم من الولايات المتحدة في حين أن سفينة من خفر السواحل الاميركية كانت تتابع الناقلة منذ أيام، ورغم تأكيد قبطان الناقلة أنه يقود سفينة روسية أقدمت القوات الأمركية على تنفيذ إنزال قوات المارينز على متنها واحتجزتها.
معربوني يصف العملية بأنها خرق فظ للقانون الدولي، علما بأنه بحسب اتفاقية البحار الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1982 لا يحق لأي دولة استخدام القوة ضد أي سفينة حائزة على كل التراخيص اللازمة التي تمنحها حق الإبحار ومع ذلك أقدمت البحرية الأميركية على تنفيذ إعتداء علني، وهو ما يعني أن الاعتداء حصل على روسيا كدولة عضو في الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
أما الوصف القانوني وفقا لمعربوني، هي عملية قرصنة وكونها تمت بواسطة فرع من فروع القوات المسلحة الأميركية يمكن وصفها بالعمل الحربي ويمكن تصنيفها بإعلان حرب.. وحتى وقوع حادث اختطاف الناقلة البحرية الروسية، على غرار خطف الرئيس الفنزويلي، أصدرت وزارتي الخارجية والنقل الروسيتين بيانات تطالب أميركا باعادة الناقلة والحفاظ على طاقمها.
ما حصل _ والحديث لمعربوني _ محاولة أمريكية لتعميم الهيمنة ويمكن وصف ما حصل بأنه بروفة لما يمكن أن يكون عليه موقف روسيا حاليا ومستقبلا في حال تمادت أميركا في استباحة كل ما هو روسي، وهو ما سنتبينه في الموقف الروسي إذا ما استمرت الناقلة قيد الحجز من قبل القوات الأميركية أنتهى حديث العميد متقاعد والباحث السياسي والعسكري عمر معربوني. 
قوة عظمى وهمية 
موقف الناقلة الروسية المختطفة لا يختلف كثيراً عن واقعة الرئيس الفنزويلي، فطاقمها محتجز وينتظر المحاكمة بعد صدور أمر قضائي باحتجازها،تماماً هو حال مادورو وقرينته، والذي حدد القضاء الأمريكي جلسة 17 مارس القادم لبدء محاكمتهما، كما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض إن طاقم الناقلة سيتم استقدامه لواشنطن لمحاكمته.
واقعة ناقلة النفط الروسية، واختطاف رئيس فنزويلا، وإعلان قائد تنظيم الولايات المتحدة الإرهابي النازي عن وضع اليد على النفط الفنزويلي وبيعه بسعر أقل بخمسين دولار، وتوجيه عائدات البيع لتنمية البنية التحتية النفطية ودعم الشعب الفنزويلي، وتهديداته العلنية لإيران وكولومبيا وكوبا وكل من يخالفه، وإصراره على ضم جزيرة جرينلاند، يعني زوال الأقطاب وأن العالم له قطب واحد، وروسيا قوة عظمى من الوهم.
نعم روسيا قوة عظمى من الوهم، وذلك ما أكدته "صفعة مارينيرا" التي كان العلم الروسي يرفرف فوقها، وتحتها غواصة روسية تترقب، لم تمنع ولم ترد، وصعدت قوات المارينز الأمريكية لتقول للعالم: "إن الحماية الروسية مجرد وهم، وإن القطب الذي لا يستطيع حماية ناقلة نفط في المحيط الأطلسي، لن يكون قادراً على حماية مستقبل حلفائه في الشرق الأوسط أو إفريقيا". وربما ذلك ما دفع رئيس كولومبيا المهدد من قبل ترامب _ كما نقلت عنه صحيفة نيويورك تايمز _ قوله "ترامب يحمل صورة خاطئة عني وتهديداته لبلادنا نابعة من غياب تواصل مباشر بيننا" بل إن جوستافو بيترو ، قال في اليوم التالي لصفعة مارينيرا، للجماهير المحتشدة بساحة بوليفار بالعاصمة بوجوتا، احتجاجاً على واقعة فنزويلا، والتي وصلها متأخراً إنه كان حتى وقت قريب في مكالمة هاتفية مع ترامب، أستغرقت 35 دقيقة، ما تسبب في تأخره عن الحضور. واعتذر للحشود، كاشفا أن الاتصال فرض عليه إعادة صياغة كلمته.. وهو الإتصال الذي وصفه ترامب بأنه شرف كير، وأن الرئيس الكولومبي تواصل معه لشرح ملف المخدرات في كولومبيا والخلافات التي نشأت بين الحكومتين في الأسابيع الأخيرة. وأضاف ترامب أنه قدّر نبرة الحوار، وأبدى اهتمامه بعقد لقاء مباشر بالبيت الأبيض مع الرئيس الكولومبي مطلع فبراير المقبل. 
ويبدو أن بيترو، قد أدرك أمرين أولهما أن روسيا لا تستطيع حماية نفسها وسفنها، فكيف ستحمي حلفائها(؟) والثاني أن موسكو تتخلى عن  أصدقائها، وذلك وضح عند الغزو الأمريكي للعراق في مارس 2003، عندما تركت روسيا العراق وصدام حسين فريسة لأمريكا وبريطانيا، وتخلت عن أفغانستان لأمريكا، ووافقت على إنضمام ألمانيا الموحدة للناتو، مقابل اعتراف الغرب بمصالحها بالشيشان وأوكرانيا وجورجيا، وعدم توسع الناتو شرقاً نحو دول المعسكر الإشتراكي ودول الاتحاد السوفيتي سابقاً، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، واحترام الحدود الروسية.. وهي صفقة فشلت في العام التالي للغزو الأمريكي البريطاني للعراق، بانضمام 7 دول أعضاء بحلف وارسو سابقاً ودول البلقان وجمهوريات سوفيتية سابقة للناتو، الذي أعلن في قمة العاصمة الرومانية بوخارست عام 2008، عن انضمام أوكرانيا وجورجيا، كما دعمت دول أوروبا وأمريكا الثورات الملونة (الوردية في جورجيا 2003، والبرتقالية في أوكرانيا 2004) للإطاحة بالأنظمة الموالية لروسيا، وإحلالها بأنظمة موالية للغرب.
روسيا لم تستخدم حق الفيتو دفاعاً عن العراق، ولم تعارض الهيمنة الأمريكية على أفغانستان، التي تبعد عنها ألاف الكيلو مترات، بل إن بعض التقارير تقول إن روسيا قدمت الدعم اللوجستي لأمريكا، ولم تحترم أمريكا وأوروبا النفوذ الروسي في أوروبا الشرقية. وكانت تسعى للاحتفاظ بحصة لشركات النفط الروسية في العراق الجديد، التي ستتفاوض معها من أجل إعادة جدولة الديون أو إسقاطها.
مرة أخرى تتخلى روسيا عن الأصدقاء، بعدم استخدامها حق الفيتو في عام 2011، ضد القرار الأممي رقم 1973، لحماية المدنيين في ليبيا، وامتنعت عن التصويت كما فعلت مع العراق عام 2003، مما كان ضوءاً أخضر لحلف الناتو لتوجيه ضربات جوية للأراضي الليبية والتي انتهت بمقتل القذافي وإسقاط نظامه، فيما بعد قالت موسكو إنها خدعت فلقد ظنت أن الغرب سيلتزم بحماية المدنيين فقط، لكنها فوجئت بإسقاط النظام، ناهيك عن الدفع بميليشيات أجنبية وتشكيل ميليشيات ليبية تنتمي لمدن عن طرق تركيا، وتقسيم ليبيا إلى ليبيا غربية تحكمها المليشيات وأخرى شرقية خاضعة لجزء من الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر المدعوم بقوات فاجنر الروسية كمحاولة لإثبات الوجود، وتدارك خطأ الماضي.
كانت ليبيا في عهد ميدفيديف صفقة لضبط العلاقات مع أمريكا بشأن الدرع الصاروخية الأمريكية في أوروبا إما بإشراكها، أو إلغاؤها، لأنه موجه ضد رادعها النووي وليس إيران وكوريا الشمالية كما أدعت واشنطن، ووقف توسع حلف الناتو بدول أوروبا الشرقية وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة، ونفي أي احتمال بانضمام أوكرانيا وجورجيا للحلف، وخفض الوجود العسكري لأمريكا وحلف الناتو بأوروبا الشرقية.. كما أنها كانت ترغب في رفع العقوبات التي فرضت على مسؤولين روس وحدت من قدراتهم المالية في الغرب، وتسهيل انضمامها لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية وللاتحاد التجاري مع الاتحاد الأوروبي، وتدفق رأس المال الأوروبي للاستثمار ونقل التكنولوجيا للجانب الروسي، والاعتراف بحقها بقيادة "اتحاد أوراسي" سياسي واقتصادي مع جيرانها. وكالعادة لم تحصل على ما أرادته استمرت أمريكا في بناء درعها الصاروخي ونشرت أول أنظمته في رومانيا 2016، وتوسع الناتو بضم الجبل الأسود عام 2017، ومقدونيا 2020، واستمر الحديث عن إنضمام أوكرانيا وجورجيا، وزادت العقوبات، وتحولت ليبيا إلى دولة فاشلة، طردت منها روسيا، وخسرت مليارات الدولارات من عقود سلاح ونفط، وفشلت محاولة التعاون والإندماج مع أمريكا وأوروبا الغربية.
التضحية بالصديق من أجل المصالح
صفقات روسيا الفاشلة مع الغرب، والتي ضحت خلالها بالعراق وليبيا، دفعتها لتبني المواجهة والصراع المفتوح، وتدراك خطأ الأمس بتدخلها بكل ثقلها في سوريا لمنع سقوط نظام الأسد، باستخدام حق الفيتو بدءً من 2011، ثم التدخل العسكري في عام 2015، ولم يكن نصرة للأسد بقدر ما هو دفاعاً عن مصالحها (قاعدة طرطوس البحرية التي تمنحها إطلالة على البحر المتوسط، وقاعدة حميميم) وحتى خلال تواجدها لم تواجه الضربات الإسرائيلية لسوريا حفاظاً على علاقتها معها، وعندما سقط نظام الأسد فضلت روسيا تأمين خروجه وعائلته لموسكو، بدلاً من خوض حرب دفاعاً، مدعية أن القوة العظمى تضحي بالصديق من أجل بقاء الدولة ومصالحها العليا، وهو أمر منافي للحقيقة والواقع هي أبرمت صفقة ناجحة هذه المرة بالحفاظ على مصالحها، وتركت إسرائيل تنهي الجيش العربي السوري بضرباتها الجوية واحتلال جنوب سوريا دون تدخل، وسمحت لتركيا باحتلال شمال غرب سوريا، وفتحت علاقات مع التنظيم الإرهابي الحاكم الذي جاء بدعم أمريكي وتركي وإسرائيلي وخليجي وأوروبي.

ماذا بعد ؟


في سوريا باعت روسيا حليفتها إيران، وغضت الطرف عن طردها من سوريا، ولم تدافع عن مصالحها ،التي تعرضت لضربات إسرائيلية، ورغم ذلك ساعدت طهران موسكو في حربها ضد أوكرانيا، بتزويدها يطائرات "شاهد" المسيرة ومعدات عسكرية أخرى إيرانية الصنع، مما ساعد روسيا على مواصلة حملتها العسكرية، فيما لم تتخذ روسيا موقفا بعيدا عن البيانات والإدانات والشجب، عند تعرض إيران للعدوان الأمريكي الإسرائيلي. وهي تستفيد من الشراكة مع إيران لتأمين الإمدادات العسكرية والاتفاقيات الاقتصادية والنفوذ الجيوسياسي، لكنها غير مستعدة لخوض حرب نيابة عن إيران. وبالتالي إعتماد إيران على روسيا للحصول على ضمانات أمنية حقيقية مبنية على أرضية هشة.
أما فنزويلا، فهي لا تختلف كثيراً عن نظرائها أصدقاء روسيا، اختطف رئيس الدولة وزوجته ويتم محاكمتهم في واشنطن، واختطفت الناقلة "مارينيرا" وهي في حراسة غواصة روسية، ولم تقدم موسكو على عمل عسكري لحماية النظام الفنزويلي أو ناقلتها، استخدمت روسيا فنزويلا وكوبا وكولومبيا وغيرها من دول أمريكا اللاتينية للمناكفة السياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية.
الواضح والمؤكد أن روسيا تقدم الدعم المعنوي للأصدقاء، وتدعمهم طالما كانت التكلفة منخفضة، ولا تدخل حروباً من أجل الأخرين إلا إذا كان العائد الجيوسياسي لصالحها كما يحدث حالياً في أوكرانيا، فالمصالح الأساسية لموسكو تتمثل في الحفاظ على مكانتها العالمية بدلا من الانخراط في مواجهات عسكرية مباشرة من أجل إيران، أو سوريا، أو فنزويلا وغيرها. ومن المستبعد أن تصعد روسيا التوترات إلى ما هو أبعد من إصدار الإدانات الدبلوماسية. وهي تركز صمودها في أوكرانيا ولن تنخرط في صراعات إضافية، خاصة وأنها تواجه أوروبا والتلاعب والمرواغات الأمريكية على الأراضي الأوكرانية وليس كييف فقط.

 
الخلاصة موسكو تدرك المخاطر المترتبة على مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل مباشر، وأولوية الكرملين التمحور حول أوكرانيا للحفاظ على موقعها الاستراتيجي، الذي أهانته أوروبا وأمريكا بالتمدد في أوروبا الشرقية والوصول لحدودها، ولن تتورط في حرب بالشرق الأوسط، أو أمريكا اللاتينية، أو من أجل ناقلة نفط. 
ولكن يبقى السؤال، لماذا تتجه دول الجنوب في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا لروسيا(؟) والإجابة: عدم وجود بديل أفضل وأكثر أماناً، فالغرب ( أوروبا وأمريكا) إما أعداء أو أصدقاء بشروط غير مقبولة، والسيطرة على الموارد، والإبتزاز باسم حقوق الإنسان والديمقراطية، ودعم أنظمة ديكتاتورية، أو جماعات عرقية، وتنظيمات إرهابية لزعزة بقاء الدولة الواحدة، ومؤخراً التعدي على سيادة الدول كما تفعل الولايات المتحدة باستخدام قوتها العسكرية لفرض هيمنتها على العالم من أجل استعمار ثرواته.
والحقيقة أن روسيا وريثة الاتحاد السوفيتي لم تعد كالماضي، فهي ليست وهماً بما تمتلكه من ترسانة نووية تجعلها في مقدمة الأندية العسكرية المؤثرة إذا استخدمتها، وهي مخزن طاقة عالمي بما تمتلكه من احتياطيات هائلة من الغاز، والنفط، والمعادن الاستراتيجية، وحق الفيتو بمجلس الأمن، لكنها أفتقدت قوتها الناعمة التي كانت تمتلكها سابقاً في الآدب، والموسيقى، والفن، والرياضة، كان الاتحاد السوفيتي لديه أيدولوجية يسعى لترويجها، وكان يريد أصدقاء أقوياء عسكرياً واقتصادياً، لذلك كان يقدم لهم المساعدات التي تمنحهم تلك القوة.

تم نسخ الرابط