و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

في حضن الأسرة المصرية تنبض الحياة، فهي المهد الأول للقيم والمصنع الأصيل للفضائل، والدرع الحامي للمجتمع من التصدع والإضطراب، ليست الأسرة مجرد رابطة عابرة، بل هي ميثاق غليظ أودع الله فيه السكينة والمودة والرحمة، وجعلها أساس العمران وعماد الإستقرار، ومن هنا، فإن أي تشريع ينظم شؤونها لا يُقرأ كنصوص جامدة، بل يُستقبل كرسالة إصلاحية كبرى تستمد قوتها من الشرع وتستند إلى العقل، وتستهدف حماية الإنسان في أدق خصوصياته وأرق مشاعره، نحن نقف  أمام لحظة تشريعية فارقة، حيث يتلاقى صوت القانون مع نداء الضمير ليولد نص جامع يخفف العبء عن ساحات القضاء ويعيد للأسرة المصرية توازنها ويمنح المجتمع طمأنينة يحتاجها في زمن تتسارع فيه التحديات.  
فمنذ أكثر من عامين  وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي، وزارة العدل إلى إعداد قانون جديد متكامل للأحوال الشخصية، يعالج ما تراكم من مشكلات ويضع إطارًا موحدًا يلم شتات القضايا الأسرية، هذا القانون المرتقب يحقق التوازن بين أطراف العلاقة الزوجية دون تمييز، فيحفظ للمرأة حقوقها ويصون للرجل مكانته، ويضع الأبناء في قلب الإهتمام باعتبارهم أمانة تستوجب الرعاية والحماية، وهو قانون يهدف إلى تخفيف العبء عن المحاكم عبر نصوص واضحة ومتكاملة تحد من النزاعات المطولة وتحقق العدالة الناجزة، بما ينعكس مباشرة على إستقرار المجتمع ويعزز التنمية في مختلف المجالات.
ففي كل مجتمع رشيد، يظل التشريع هو الأداة التي تضبط حركة العلاقات الإنسانية، وتحقق التوازن بين المصالح الفردية والجماعية، وتضمن استمرار النظام القانوني بروح من العدالة والإنصاف، وقد حثت المعايير الحاكمة للتشريع على أن يكون ترتيب شؤون المجتمع قائمًا على الجدية والرشد والعقلانية، وأن يعبر عن المصالح الإجتماعية الراجحة، فلا ينحاز إلى جماعة بعينها أو هدف محدود، بل يسعى إلى تحقيق الخير للمجموع، ويقترب قدر الإمكان من العدل المطلق في تنظيم العلاقات الإجتماعية .  

ومن هذا المنطلق، جاء التوجيه الرئاسي منذ أكثر من عامين بإعداد قانون جديد متكامل للأحوال الشخصية ، يعالج القضايا الأسرية على نحو متوازن، ويعيد للأسرة المصرية استقرارها، ويحميها من التصدع والإضطراب، ويضع حدًا لما يثور داخلها من منازعات، فالأسرة ليست مجرد رابطة إجتماعية ، بل هي نعمة من الله يمتن بها على خلقه، إذ يقول تعالى: "والله جعل لكم من أنفسكم أزواجًا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون". كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء شرًا أن يضيع من يعول».
ولا شك أن مسائل الأحوال الشخصية تمس الناس في أرق مشاعرهم وأدق علاقاتهم، فهي ألصق الأمور بخصوصيات الحياة، ومن ثم فإن مناقشتها وصياغة تشريعاتها تعد من أسمى صور الإصلاح الإجتماعى، وقد عرف المجتمع الدولي والمحلي هذا المفهوم منذ قرون، حين ابتدع الفقه الإيطالي في القرنين الثاني عشر والثالث عشر إصطلاح "الأحوال الشخصية" للفصل بين القانون العام للدولة والقوانين المحلية، ثم إنتقل إلى فرنسا ومصر، حيث دخل التشريع المصري منذ عام 1875 عبر القانون المدني المختلط، الذي نص في مادته الرابعة على اختصاص قاضي الأحوال الشخصية بمسائل الحالة والأهلية والنظام المالي الزوجي والمواريث والوصاية والقوامة.  
وفي الفقه الفرنسي، يشمل مصطلح الأحوال الشخصية كل ما يتعلق بالحالة العائلية والأهلية، بينما في الفقه المصري ظل التعريف أقرب إلى الإتجاه العام، إذ تتداخل المسائل المالية والشخصية في بعض القضايا الميراث، وقد استعملت النصوص التشريعية المتعاقبة هذا المصطلح ليشمل الخطبة والزواج وحقوق الزوجين وواجباتهما، والمهر والطلاق والتطليق، والإقرار بالبنوة، والالتزام بالنفقة، وتصحيح النسب، والوصاية، والمواريث، وغيرها.

  ويرتبط هذا المفهوم بالنظام العام، لأن الكثير من روابط الأحوال الشخصية تحقق مصلحة عامة، وتفرض تعددًا تشريعيًا لا يتاح لغيرها، فالقانون الواجب التطبيق يختلف بحسب نوع المنازعة وأطرافها، فإذا كان أحد الأطراف أجنبيًا، قد تشير قواعد الإسناد إلى تطبيق قانون أجنبي، بشرط ألا يخالف النظام العام والآداب في مصر، أما بالنسبة للمصريين، فالأصل الدستوري هو المساواة بين الأشخاص دون إعتبار لإختلاف الدين أو الجنس أو اللون، مع تقدير قدسية الدين في النفوس، وهو ما جعل المشرع يستمد أحكامه من مبادئ الشريعة الإسلامية، ويستعين أحيانًا بمبادئ الأديان السماوية الأخرى.  
إن صدور قانون الأحوال الشخصية الجديد سيكون بمثابة إعادة صياغة شاملة للعلاقة بين الفرد والأسرة والدولة، بما يحقق العدالة الناجزة، ويخفف العبء عن المحاكم، ويضمن استقرار المجتمع، ويصون القيم الدينية والأخلاقية. وهو تشريع يليق بمصر وتاريخها، ويعكس إرادة سياسية واعية ورؤية قانونية رشيدة، نحو منظومة تحفظ الحقوق وتحقق الاستقرار، وتضع الأسرة في مكانتها التي أرادها الله أساسًا للمجتمع وقوامًا له.
وفي ظل ما يشهده المجتمع من تطورات، يصبح إقرار هذا القانون في البرلمان المرتقب أولوية قصوى، ليس فقط لتحديث المنظومة القانونية، بل لصون الأسرة المصرية وحماية المجتمع من التفكك، وإرساء دعائم الاستقرار الذي يمثل حجر الزاوية في بناء مستقبل أكثر تماسكًا وعدلًا. إنه تشريع يليق بمصر وتاريخها، ويعكس وعيًا تشريعيًا يضع الإنسان في قلب الاهتمام، ويجعل من الأسرة المصرية صمام أمان المجتمع وركيزة نهضته.

تم نسخ الرابط