و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

الذى راقب لغة جسد الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" فى مؤتمريه الصحفيين قبل وبعد اجتماعه القصير الأخير مع "بنيامين نتنياهو" فى "فلوريدا" ، لا بد قد لحظ أن ترامب" بدا فى صورة عظمة مرتعشة ، لم ينجح فى التغطية عليها بسيل تصريحاته الخاوية ، والإستئثار بالكلام أغلب الوقت ، بينما اكتقى "نتنياهو" بابتسامته الصفراء ، وبإيماءة الرأس الموافقة لصديقه ومضيفه الثرثار ، الذى بدا ـ أى "ترامب" ـ كأنه غارق فى بئر ، يعيد ويزيد فى شروحه عن عظمة "نتنياهو" ، الذى لولاه ـ  أي"نتنياهو" ـ لما كانت "إسرائيل" لا تزال على قيد الحياة ، والذى يستحق عفوا شاملا فى قضايا فساده من الرئيس "الإسرائيلى" "إسحاق هيرتزوج" ، وقد نفى الأخير رسميا تلبية طلب "ترامب" بالعفو عن "نتنياهو" ، بينما أعلن رئيس الوزراء "الإسرائيلى" عن تكريم "ترامب" بمنحه "جائزة إسرائيل" اعترافا "بإسهاماته الهائلة لإسرائيل والشعب اليهودى" ، وهو ما بدا "ترامب" ممتنا له بفرح غامر ، رغم أنه قال قبل اللقاء مع "نتنياهو" ، أنه منح "إسرائيل" هضبة الجولان السورية التى تساوى تريليونات الدولارات دون أن يتقاضى سنتا ، وتفاخر "ترامب" بأنه حسم ثلاث قضايا متعلقة باتفاق "غزة" فى خمس دقائق خلال العشاء مع "نتنياهو" ، ودون أن يأتى على ذكر واحدة منها ، واكتفى بالتأكيد على زعم التزام "إسرائيل" الحرفى بما يسمى "خطة ترامب" ، وأن الطرف الآخر هو الذى أخل ويخل بالتزاماته ، وطالب "حماس" بنزع سلاحها " فى مدة قصيرة جدا" لم يحددها ، وعاد مجددا لدعم هدف إخراج وتهجير الفلسطينيين من "غزة" ، وفى سياق دعمه لما تسميه حكومة "نتنياهو" بالخروج الطوعى (!) .

 وقد لا يكون من وجوه للتعجب ، فما بين أمريكا و"إسرائيل" اندماج استراتيجى كامل ، وقد تحدث أحيانا خلافات فى التصرفات التكتيكية بين حكومة إسرائيل العليا فى واشنطن وحكومتها الفرعية فى "تل أبيب" ، وبعد اتفاق "شرم الشيخ" المتعلق بخطة "ترامب" ، بدا أن "ترامب" أجبر "نتنياهو" على وقف حرب الإبادة الجماعية فى "غزة" إلى حين ، لكن "إسرائيل" لم تحترم وقف إطلاق النار أبدا ، واخترقته مئات المرات ، وقتلت بالنار مئات الفلسطينيين مجددا ، ونسفت آلاف المبانى المتبقية فى شرق قطاع "غزة" ، وحالت دون تنفيذ البروتوكول الإنسانى ، وحجبت فرص دخول آلاف شاحنات الإغاثات الطبية والغذائية ، ومنعت إدخال مئات الآلاف من الخيام والمنازل المتنقلة ، وهو ما كان سببا فى تفاقم المآسى الإنسانية مع دخول فصل الشتاء القاسى ، وتجمد أجساد الأطفال الرضع والشيوخ فى عراء "غزة" ، فى حين بدا "ترامب" فى عالم آخر ، وزعم التزام "إسرائيل" بالاتفاق حرفيا ، وامتنع عن الجواب حين سئل عن التزام "إسرائيل" بالانسحاب من "الخط الأصفر" إلى "الخط الأحمر" ضمن خطوات المرحلة الثانية ، وكأنه يقول ببساطة ، أن من حق "إسرائيل" أن تفعل  أو لا تفعل ، وأن من حقه أن يسمى ذلك "سلاما" ، وحين سألوا "ترامب" عن ما يسمى "قوة الاستقرار الدولية" وأطرافها ، وعما إذا كان من حق "تركيا" أن تشارك بالقوة إياها ، اكتفى "ترامب" بعبارات غائمة ، كال فيها المديح للرئيس التركى ، وأضاف أن "نتنياهو" يعارض مشاركة قوات تركية ، وكأنه يسلم بانعدام حيلته (!).

 والخلاصة ، أن "ترامب" يكف يده عن أى تدخل ضاغط لكبح "نتنياهو" ، وأن صورة العلاقة بين الطرفين المتكاملين تتغير ملامحها مجددا ، وترجح كفة "نتنياهو" هذه المرة ، وهو ما بدا ظاهرا فى أحاديث "ترامب" المرتبكة عن احتمالات تجدد الحروب الشاملة شرقا ضد إيران وقبلها فى لبنان وسوريا ، ورغم حديثه عن السعى لاتفاق يجمع "نتنياهو" والرئيس السورى ، إلا أن "نتنياهو" كان قاطعا بكشف أهدافه فى إلحاق سوريا بالحزام الأمنى "الإسرائيلى" ، ودونما حديث بالطبع عن هضبة "الجولان" التى ابتلعتها "إسرائيل" بدعم نهائى من "ترامب" ، ودونما حديث أيضا عن كبح شهية العدو فى شن الحروب من لبنان إلى إيران ، ولم يخف "ترامب" تأييده الضمنى لحرب جديدة ضد إيران ، قد تشارك فيها أمريكا مجددا ، وبدعوى أنها ـ أى إيران ـ عادت لتطوير برنامجها النووى وبرنامجها الصاروخى ، وهو ما يوحى بحقيقة العلاقة الراهنة بين الرجلين ، وبين العدوين الأمريكى و"الإسرائيلى" ، وهما كيان واحد متحد ، حتى وإن بدت بعض التصرفات مختلفة أحيانا فى توزيع الأدوار ، على طريقة إعلان "إسرائيل" اعترافها من طرف واحد بالكيان الانفصالى فى "أرض الصومال" ، وامتناع واشنطن الظاهرى عن الاعتراف الآن ، لكن مع تأكيد أمريكا فى مجلس الأمن على حق "إسرائيل" فى فعل ما تشاء ، ما دامت المعارضات العربية والإسلامية لا تجدى فتيلا ، وما دام بناء قواعد عسكرية "إسرائيلية" فى "أرض الصومال" مفيدا فى مواجهة "حوثى" اليمن ، وما دامت "أرض الصومال" صالحة كملجأ بديل للفلسطينيين المهجرين ، وهو هدف ظاهر لأمريكا و"إسرائيل" معا ، كما دلت عليه تصريحات "ترامب" العلنية ، التى عاد فيها وعادت إدارته اليهودية الصهيونية إلى تكرار نغمة "الريفييرا" إياها ، ونشر الخطة المسماة "شروق الشمس" لإعادة إعمار "غزة" فى عشر سنوات ، أى إلى سبع سنوات إضافية بعد خروج "ترامب" نفسه من "البيت الأبيض" .

 والخلاصة مجددا ، أننا قد نكون بصدد الذهاب إلى متاهات لا تنتهى ، يصوغ "نتنياهو" عنوانها فى حروب متجددة ، بينما يضفى "ترامب" صفة سلام القوة على حروب "نتنياهو" ، وهو ما يخدم حتى أغراض "نتنياهو" الشخصية الذاتية ، وسعيه للفوزمجددا برئاسة الوزراء فى أواخر العام الجارى 2026 ، أو فى أواسطه إذا جرت الانتخابات مبكرة فى "إسرائيل" ، ويفيده طبعا ، أن يستخدم صوت "ترامب" دعائيا فى حملته ضد منافسيه ، فى حين يبدو "ترامب" مجبرا لا مختارا ، فهو الآخر ينتظر انتخابات التجديد للكونجرس الأمريكى بمجلسيه النواب والشيوخ ، وأغلب التقديرات ترجح خسارة حزب "ترامب" الجمهورى فى الانتخابات المنتظرة ، وقد يسعى "ترامب" إلى تخفيف ثقل الخسارة ، والاستعانة بتأثير "نتنياهو" على "اللوبى اليهودى" الأمريكى المتحكم ، حتى لو كان الثمن تطابقا تاما مع الرغبات والأهداف "الإسرائيلية" ، فمن شأن خسارة حزب "ترامب" فى انتخابات الكونجرس المقررة أوائل نوفمبر 2026 ، أن تحول "ترامب" إلى "بطة عرجاء" فى البيت الأبيض ، وأن تنتهى فترة رئاسته الفعالة قبل الأوان بعامين ، وأن يجرى اختصار فترة رئاسته رباعية السنوات إلى عامين لاغير ، وعام الرئاسة الأخير فى التقاليد الأمريكية هو موعد حالة "البطة العرجاء" وحساباتها الحذرة ، لكنه قد يأتى مبكرا فى رئاسة "ترامب" الثانية والأخيرة ، مع احتمالات شبه مؤكدة بخسارة "ترامب" لأغلبيته الضئيلة فى مجلسى النواب والشيوخ ، حتى لو ظفر بدعم "اللوبى اليهودى" ، الذى فقد الكثير من قوة تأثيره ، مع تحولات جرت فى مزاج الناخب الأمريكى تجاه "إسرائيل" ، وبالذات فى أوساط الشباب والأجيال الأمريكية الجديدة .

ومما يزيد من ضعف "ترامب" سياسيا رغم "بهلوانيته" الكلامية ، أن التشققات تتزايد فى قاعدته الانتخابية ، مع مضاعفات نشر وثائق وفضائح "جيفرى إبستين" عميل "الموساد" تاجر الجنس الشهير ، ومع فشل "ترامب" الظاهر فى تحقيق وعوده الاقتصادية ، وتصاعد التذمر من زيادة تكاليف المعيشة بالنسبة لغالبية الأمريكيين ، وإخفاق خطة زيادة الرسوم الجمركية فى دفع الاقتصاد للانتعاش ، وميل الرئيس لمبالغات وفجاجات وأكاذيب فاقعة ، تدعى جلب استثمارات بعشرات تريليونات الدولارات إلى الداخل الأمريكى ، وهو ما زاد من معدلات تدهور شعبية الرئيس الأمريكى ، ونزولها مبكرا فى سبعة استطلاعات رأى إلى ما تحت الأربعين بالمئة ، مع تراجع الحماس للرئيس فى حركة "ماجا" نفسها ، وهى حركة اجتماعية سياسية تحمل الحروف الأولى بالإنجليزية لشعار "ترامب" الأثير "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" ، وقد توالت فى الفترة الأخيرة انشقاقات داخل "ماجا" ، كان بعضها غاضبا من تطابق سياسات "ترامب" مع "إسرائيل" ، ومع مجازر الإبادة الجماعية الأمريكية "الإسرائيلية" فى "غزة" ، فهم لا يفهمون كيف تكون أمريكا أولا ، ومواردها العسكرية خاضعة لدولة أجنبية اسمها "إسرائيل" (!) .

خواء شعار عظمة أمريكا

 ويبدو أن ترامب نفسه ، قد اكتشف غريزيا خواء شعار عظمة أمريكا ، وراح فى استراتيجيته الجديدة للأمن القومى ، ينكمش بعظمة أمريكا الكونية إلى عظمة جغرافية فى الجوار ، أو إلى "عظمة لاتينية" بالذات ، فاستراتيجيته الجديدة تركز على إحياء "مبدأ مونرو" ، والانسحاب إلى نصف الكرة الغربى فى الأمريكتين الشمالية والجنوبية ، وكأنه يعود بوضع أمريكا إلى ما كان قبل قرنين ، حين أعلن الرئيس الأمريكى الأسبق "جيمس مونرو" عام 1830 عن سياسته الدولية ، ورغبة واشنطن فى الاستئثار بثروات وسياسة أمريكا اللاتينية ، وهو ما يلتزم به الرئيس "ترامب" كأولوية قصوى اليوم ، ويسعى لشن حروبه الجديدة فى "الكاريبى " ضد "فنزويلا" وأخواتها ، وكأنه يعود إلى "مبدأ مونرو" فى نسخته الحرفية الأولى .

تم نسخ الرابط