الجريمة التي تبدأ بالصمت
التحرش بالأطفال ليس حادثًا فرديًا، ولا خطأً عابرًا، ولا لحظة ضعف، ولا نتيجة ملابس، ولا سوء تربية طفل.
هو جريمة مكتملة الأركان، تُرتكب حين يُترك الطفل بلا حماية، ويُترك المعتدي بلا رادع، وتُدار المنظومة المحيطة بالطفل بدور شكلي لا فعلي، وبصمت يساوي التواطؤ.
الطفل لا يُعتدى عليه فجأة.
الجريمة تبدأ قبلها بوقت طويل، حين تتراكم الغفلات واحدة تلو الأخرى: غفلة أسرة منشغلة أو خائفة، غفلة مؤسسة تعليمية تختزل دورها في التحصيل لا الحماية، غفلة حضانة تهتم بالمظهر أكثر من السلوك، وغفلة مجتمع يفضّل الستر على المواجهة، حتى وإن كان الثمن طفولة مكسورة.
أين يُترك الطفل وحيدًا؟
قد يُعتدى على الطفل في البيت، أو في المدرسة، أو في الحضانة، أو في النادي، أو أثناء درس خاص، أو في مساحة مغلقة لدقائق.
كل مكان يتردد عليه الطفل دون رقابة واعية وحقيقية، هو مساحة محتملة للجريمة.
والسؤال الأخطر لا يجب أن يكون: كيف حدث هذا؟
بل: لماذا تُرك الطفل وحده؟
بين الغفلة والوحشية
هل ما يحدث نتيجة جهل؟ أم انشغال؟ أم وحشية مرضية؟
الحقيقة المؤلمة أن هذه الأسباب لا تتناقض، بل تتكامل.
جهل أسرة لا تعلّم طفلها حدود جسده، وانشغال أب وأم يعتقدان أن الطفل لا يفهم، وتواطؤ مؤسسي يخاف على السمعة أكثر من سلامة الصغار، ووحشية معتدٍ يعرف تمامًا ما يفعل، ويختار ضحيته لأنه الأضعف، ولأنه يعلم أن صوته غالبًا لن يُسمع.
المتحرش بالأطفال ليس شخصًا فقد السيطرة، بل شخص مارسها.
لم يخطئ في التقدير، بل استغل صمتًا جاهزًا، وخوفًا موروثًا، ومنظومة تعرف كيف تُنكر بدل أن تحمي.
ما بعد الجريمة… الصمت يكمل الجريمة
بعد الجريمة، لا ينتهي الألم، بل يبدأ.
طفل صامت، مرتبك، خائف، يشعر بالذنب، يشك في جسده، وفي الكبار، وفي الأمان نفسه.
يكبر هذا الطفل، ثم نطالبه فجأة بالاتزان، ونستغرب قلقه، أو عدوانيته، أو اكتئابه، ونتناسى أننا نحن من سلّمه بلا درع، وطلبنا منه أن ينجو وحده.
أثر الجريمة على المجتمع
والأسوأ أن أثر الجريمة لا يتوقف عند الطفل وحده.
عندما ينجو الطفل من الاعتداء الجسدي، لكنه يخرج من هذه التجربة محطمًا نفسيًا، غالبًا ما يدخل المجتمع وهو مضطر، متأثر، ومشوه داخليًا.
يبني شخصيته على خوف وغضب وعدم ثقة، وقد يتحول إلى إنسان غير متوازن نفسيًا.
ومع الأسف، هؤلاء الأشخاص الذين تحملوا الجريمة وهم صغارًا، يُفترض فيهم أنهم مستقبلًا سيكونون أزواجًا وأهلًا.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل هم مؤهلون أصلاً لبناء أسرة؟
وهل عقوبة بسيطة، أو تهاون المجتمع، أو تجاهلنا المستمر لهذه الجرائم، يجعلنا نعيد إنتاج هذه المعاناة على مدار السنين؟
إذا استمر الصمت والتهاون، هل يمكن أن يتحول المجتمع بأكمله إلى مكان أكثر هشاشة وعنفًا، بسبب تراكم آثار هذه الجرائم؟
هل العقوبة وحدها كافية؟
العقوبة ضرورية، لكنها تفقد معناها إن لم تكن رادعة، واضحة، بلا تهاون، وبلا أعذار نفسية مائعة.
من يعتدي على طفل لا يدمّر لحظة، بل يكسر إنسانًا قبل أن يبدأ حياته.
ولهذا يجب أن يخاف المعتدي قبل أن تمتد يده، أن يخاف من فقدان حريته، ومكانته، ومستقبله، لأن الخوف هنا ليس قسوة، بل حماية.
الجريمة واحدة… والمواجهة مختلفة
الاعتداء الجنسي على الأطفال موجود في كل المجتمعات، العربية والأوروبية على حد سواء.
لكن الفارق الحقيقي لا يكمن في وجود الجريمة، بل في طريقة مواجهتها.
في كثير من السياقات الغربية، يُنظر إلى الاعتداء على الطفل باعتباره جريمة عامة، لا شأنًا خاصًا.
البلاغ واجب، والصمت خطأ، والمؤسسة تُحاسَب قبل أن تُبرّئ نفسها، والطفل يُصدَّق وتُقدَّم له الحماية النفسية قبل أي اعتبار آخر.
أما في كثير من السياقات العربية، فيُختزل الاعتداء أحيانًا في كونه أزمة أسرية يجب احتواؤها، أو سرًا يُخشى الإفصاح عنه خوفًا من الوصم الاجتماعي.
فيتحول الستر من حماية إلى غطاء، ويتحول الصمت من حرص إلى مشاركة غير مباشرة، ويُترك الطفل وحيدًا في مواجهة جريمة لم يصنعها.
الوعي ليس رفاهية… هو حماية
نشر الوعي هنا ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة أخلاقية.
لأن المواجهة لا تحمي طفلًا واحدًا فقط، بل تحمي أطفالًا آخرين لم يصل إليهم المعتدي بعد.
وكل بلاغ يُقدَّم، وكل صوت يُسمَع، وكل جريمة تُواجَه بوضوح، هي خطوة حقيقية نحو تقليص هذا العنف، لا التعايش معه.
التربية قبل التعليم
أين التربية قبل التعليم؟
وأين الأخصائي النفسي الحقيقي داخل المدرسة والحضانة؟
وأين المراقبة السلوكية المستمرة لا الموسمية؟
وأين سؤال الطفل بصدق بدل إسكات صوته بحجة العيب والخوف؟
التعليم بلا أمان ليس إنجازًا، بل جريمة مؤجلة.
وحماية الطفل ليست قضية موسمية ولا مادة رأي عابرة، بل مسؤولية يومية تبدأ بالوعي، وتستمر بالرقابة، وتنتهي بحسم لا يعرف التهاون، لأن البراءة لا تُعوَّض.
ويبقى السؤال الذي يجب ألا نتوقف عن طرحه:
كم طفلًا يجب أن يُكسَر، حتى نفهم أن الصمت ليس حيادًا، بل شراكة في الجريمة؟








