و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

ليس ما يُطرح هنا اتهامًا، ولا محاولة للتشكيك في أحد، بل هو حق طبيعي لكل مواطن أن يطمئن على وطنه، وأن يفهم ما يجري حين تظهر ظواهر لافتة تستحق التوقف أمامها. والحقيقة أن حجم الأموال التي دارت في الموسم الانتخابي الأخير – سواء تلك التي ضُخّت داخل بعض الأحزاب، أو التي صُرفت في شراء الأصوات، أو التي استُخدمت في الدعاية المبالغ فيها – أصبح ظاهرة لا يمكن تجاهلها، ليس لأنها شبهة فساد فقط، بل لأنها علامة اقتصادية وأمنية تستوجب الدراسة.

فالمال السياسي ظهر بكثافة غير مسبوقة، لكن مصدره ما زال مجهولًا، وهذا وحده كافٍ لفتح باب الأسئلة.

أول أسباب القلق أن أحدًا لا يستطيع تقديم تفسير واضح لأسئلة بسيطة: من أين جاءت هذه الأموال؟ كيف خرجت بهذا الحجم وفي هذا الوقت القصير؟ لماذا لم تُرصد عبر النظام المصرفي؟ وكيف استطاع بعض المرشحين ضخ ملايين بلا أثر مالي معروف؟ هذه الأسئلة ليست هجومًا على أحد، لكنها ضرورية لأي دولة تريد حماية اقتصادها وأمنها الداخلي.

وعند قراءة المشهد بهدوء، لا نجد أمامنا إلا احتمالين رئيسيين: الأول، أن تكون هذه الأموال من مصادر غير شرعية داخلية، وهذا يعني وجود اقتصاد موازٍ يعمل خارج أعين الدولة، وتجارة مجهولة الحجم والطبيعة، وأموال مخزنة بعيدًا عن النظام المصرفي، كل هذا يشكل تهديدًا للاقتصاد الرسمي لأنه يخلق حركة مال تحتية لا يمكن ضبطها أو فهم مخاطرها.

أما الاحتمال الثاني، وهو الأخطر، فهو أن تكون الأموال قادمة من خارج مصر. دخول أموال سياسية من الخارج يحمل محاولة للتأثير على القرار الوطني، أو شراء نفوذ داخل أحزاب أو كيانات سياسية، أو توجيه المجال العام من خلال المال لا من خلال الإرادة الشعبية. وهذا يمثل تهديدًا واضحًا للأمن القومي في أي دولة بالعالم.

طرح هذه الأسئلة اليوم ليس لأن هناك اتهامًا، بل لأن الظاهرة لم تعد خافية. حجم المال السياسي أصبح أكبر من أن يُرى كـ «حماسة انتخابية». وغياب الشفافية يزيد من قلق الناس، خاصة حين يشعر المواطن أن هناك مالًا يتحرك بلا ضوابط أو رقابة. ومن حق المواطن أن يقلق، ومن واجب الدولة أن تطمئنه.

ولحماية الاستقرار، تحتاج الدولة إلى إجراءات واضحة: 
* إعلان قواعد شفافة للتمويل السياسي.
* تتبع مصادر الأموال الكبيرة التي تظهر في المواسم الانتخابية
* دمج الأحزاب في نظام محاسبي دقيق
* معالجة الاقتصاد الموازي الذي يعمل خارج البنوك وخارج الرقابة.

هذه ليست إجراءات سياسية بقدر ما هي إجراءات حماية وطنية، هدفها صيانة الثقة العامة وضمان ألا يتحول المال إلى أداة تهدد سلامة المجال العام.

لا أحد يريد إثارة الشك، لكن الجميع يريد الاطمئنان. والوطن لا يحميه الصمت، بل يحميه الوضوح. إن ضخ أموال مجهولة المصدر في موسم انتخابي قصير ليس تفصيلًا عابرًا، بل ظاهرة تستحق تفسيرًا صريحًا.

ولأننا نحب هذا البلد ونخاف عليه، فمن حقنا أن نسأل، ومن واجب الدولة أن تجيب، حتى تبقى الثقة محفوظة، والأمن مستقرًا، والاقتصاد قويًا.

تم نسخ الرابط