و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

أقباط ومسلمى الغربية وجنازة مهيبة

القصة الكاملة لـ"ميلاد ملاك" والعودة من ليبيا محمولًا على الأعناق لمدافن طنطا

موقع الصفحة الأولى

لم يكن يحمل سلاحاً، ولم يذهب ليحارب أحداً.. كان يحمل حلماً بسيطاً، حلم شاب في مقتبل العمر بأن يعود لأمه ببضعة جنيهات يستر بها فقره ويعين بها أسرته..بهذا الحلم البسيط، ودع الشاب ميلاد ملاك، ابن قرية سبرباي بطنطا، أرض الوطن متوجهاً إلى ليبيا باحثاً عن لقمة عيش شريفة، لكنه لم يكن يعلم أن القدر يخبئ له موعداً مع وحوش لا تعرف الرحمة، وأن رحلة البحث عن الحياة ستنتهي به جثة هامدة مشوهة من التعذيب.
في العشرينات من عمره، لم يكمل تعليمه، خرج من محافظة الغربية يحمل على كتفيه هم أسرة متواضعة، ليقع فريسة سهلة في يد خلية إرهابية تابعة لتنظيم داعش في ليبيا، اختطفته مع آخرين من أصدقائه، وحولت حلمه إلى كابوس ومساومة رخيصة على الحياة.

مساومة بـ 470 ألف جنيه.. ثمن الحياة

ساومت الخلية الإرهابية أسرة الشاب البسيط، وطلبت فدية قدرها 470 ألف جنيه لإطلاق سراحه، فباع الأهل ما يملكون وطرقوا كل الأبواب، لكنهم لم يتمكنوا من جمع سوى 270 ألف جنيه، مبلغ لم يشفع لابنهم عند جلاديه.
فكان القرار الإرهابي الغاشم.. انتقام وحشي وممارسة لكل ألوان التعذيب البدني، انتهى بكسر في الجمجمة ونزيف حاد في المخ، ليلفظ ميلاد أنفاسه الأخيرة تحت سياط التعذيب، ويدفع حياته ثمناً لفشل أسرته الفقيرة في تدبير الفدية.

خطر لا يزال يتربص.. وجهود حفتر لدك معاقل الإرهاب

وتكشف هذه الجريمة البشعة من جديد عن الخطر الداهم الذي لا تزال تمثله التنظيمات الإرهابية المتطرفة في الأراضي الليبية، والتي اتخذت من حالة الانفلات الأمني في بعض المناطق ستاراً لخطف الأبرياء والعمالة الوافدة.
وعلى مدار سنوات، يخوض الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر معارك شرسة وحرباً مفتوحة لدك معاقل تلك التنظيمات وتطهير الأراضي الليبية من فلول داعش والقاعدة.

ليست السابقة الأولى.. و21 شهيداً تخلدهم الدولة

ولم تكن جريمة مقتل ميلاد هي الأولى من نوعها، فالذاكرة المصرية لا تزال تحتفظ بمشهد دامٍ لا يُنسى، حين أقدم تنظيم داعش الإرهابي في فبراير 2015 على ذبح 21 شهيداً قبطياً في مدينة سرت الليبية بدم بارد، في جريمة هزت ضمير العالم..يومها، لم يمر الدم المصري هدراً، حيث تحركت القيادة المصرية على الفور، ودكت الطائرات الحربية المصرية معاقل التنظيم الإرهابي بالصواريخ، انتقاماً لدماء أبنائها وتخليداً لذكراهم العطرة، أمر الرئيس عبد الفتاح السيسي ببناء كنيسة كبيرة باسم "شهداء الإيمان والوطن" في قرية العور بمحافظة المنيا، مسقط رأس هؤلاء الشهداء، لتظل شاهدة على أن مصر لا تنسى أبناءها، وأن من قدموا أرواحهم فداءً لإيمانهم ووطنهم سيظلون في وجدان الوطن.

استقبال حافل وجنازة تليق بشهيد لقمة العيش

وبعد أيام من المناشدات لوزارة الخارجية المصرية، كللت الجهود الدبلوماسية بالنجاح، وتم نقل جثمان ميلاد إلى مسقط رأسه بسبرباي بمحافظة طنطا وفي مشهد وطني مهيب، استقبل أهالي بلدته من المسلمين والمسيحيين جثمانه استقبالاً حافلاً، واصطف الجميع في شوارع القرية لوداعه.
وشهدت جنازته التي أقيمت أمس الأربعاء بكنيسة الملاك ميخائيل بسبرباي حضوراً كثيفاً من أبناء القرية، الذين اعتبروه أخاً أو ابناً أو قريباً لهم، في مشهد امتزجت فيه دموع الفراق بملامح الفخر من هيبة الجنازة.

السوشيال ميديا دفتر عزاء.. شهيد الوطن

ولم تتوقف مظاهر الحزن عند حدود القرية، بل تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى دفتر عزاء مفتوح، حيث انهالت آلاف التعليقات التي تنعي ميلاد.
وأجمع النشطاء من مسلمين ومسيحيين على اعتباره شهيداً للوطن ولقمة العيش، وليس مجرد شاب قبطي.
وترأس صلاة الجنازة القمص أثناسيوس مكرم، كاهن كنيسة الملاك ميخائيل بسبرباي، وشارك فيها القمص بشارة عدلي، كاهن كنيسة ماري مرقس بطرابلس سابقاً.
واختتمت الأسرة المشهد بإرسال برقيتي شكر إلى السيد السفير بدر عبد العاطي، وزير الخارجية، والسفير تامر الحفني، القائم بأعمال السفير المصري في ليبيا، تقديراً لجهودهما في إعادة جثمان نجلهم ليُدفن في تراب وطنه.

تم نسخ الرابط