تعلمنا من التاريخ أن الإمبراطوريات الكبرى لا تسقط فجأة تحت ضربات خارجية وحسب، بل يبدأ الانهيار من الداخل. الفساد يتسلل إلى أوصالها، والمحسوبية والرشوة تنتشر في قطاعاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتضعف ثقة العامة في الأداء الحكومي. ثم يبحث رأس الإمبراطورية عن مبررات للفشل، غالباً في أسباب خارجية، رافضاً الاعتراف بأي خلل في منظومته. بعد ذلك يأتي الدخول في حروب أو مغامرات خارجية ظناً بأن القوة العسكرية كفيلة بحسم الأمور، ليكتشف متأخراً أن الجيش نفسه لم يعد يؤمن بالقضية كما كان، وأن الوطن في وعي الجنود قد اختلط بصورة الزعيم. أما الإصلاحات المفاجئة غير المحسوبة، فتؤدي أحياناً إلى فوضى أكبر، كما حدث مع الاتحاد السوفييتي حين أطلق ميخائيل غورباتشوف «البيروسترويكا» الاقتصادية و«الغلاسنوست» السياسية في خطوات متسارعة وغير مدروسة جيداً، فانفلت العقد وانتهى الاتحاد إلى الزوال.
هذه الصورة التاريخية تعود إلى الأذهان عند متابعة أسلوب دونالد ترامب في قيادة الولايات المتحدة خلال ولايته الثانية. يدير ترامب السياسة بنظام الصدمات المتتالية والبلطجة السياسية، سواء داخلياً ضد خصومه أو خارجياً تجاه الدول الأخرى. يدّعي حقوقاً أمريكية في غرينلاند، ويتحدث عن ضم كندا كولاية، ويُلمّح إلى السيطرة على قناة بنما، ويتعامل مع رؤساء دول كأنهم تلاميذ في مدرسة ابتدائية، ويُهين بعضهم علناً. وفي مرحلة لاحقة يلجأ إلى استخدام القوة العسكرية بالمعنى الحرفي، كما في عملية اعتقال رئيس فنزويلا ومحاكمته على الأراضي الأمريكية، ثم يدخل في مواجهة مع إيران ظنّها في البداية نزهة سريعة، فإذا بها تتحول إلى مستنقع يثقل كاهل الولايات المتحدة وحلفائها.
هذه التصرفات لم تجعل العالم مكاناً أكثر أماناً أو استقراراً. بل زادت من حالة عدم اليقين والتوتر. أما على الصعيد الاقتصادي، فالنظام الضريبي الذي يميل لصالح الأغنياء، وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، لم يترجم إلى تحسن ملموس في حياة المواطن الأمريكي العادي. الثقة في المؤسسات تتآكل، والانقسام الداخلي يزداد حدة، والخطاب السياسي يتحول إلى مواجهة مستمرة بدلاً من بناء توافق.
صدمات تهدد تماسك أمريكا
التشابه مع تجربة البيروسترويكا السوفييتية ليس كاملاً، لكنه مفيد للتأمل. غورباتشوف أراد إصلاح نظام متكلس فانفتح عليه الباب على مصراعيه دون ضوابط كافية. ترامب، من جهته، يمارس نوعاً من «الصدمات المتتالية» في السياسة الخارجية والداخلية، مدعياً أنه يصحح مسار أمريكا ويعيد لها عظمتها. لكن الصدمات إذا لم تُحسب بدقة قد تؤدي إلى نتائج عكسية: إضعاف التحالفات التقليدية، زيادة العزلة، وتعميق الاستقطاب الداخلي.

الإمبراطوريات تنهار حين يفقد مواطنوها الإيمان بأن النظام يستحق الدفاع عنه، وحين يصبح الزعيم نفسه هو الرمز الوحيد للوطن. الناخب الأمريكي، في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة (بما فيها التجديد النصفي)، يجد نفسه أمام خيار حاسم: إما محاولة تصحيح المسار ووقف ما يُرى على أنه انزلاق نحو الانهيار، أو السماح باستمرار النهج الحالي بكل ما يحمله من مخاطر.
التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يعلّم دروساً واضحة. القوة العسكرية والاقتصادية وحدها لا تكفي إذا فقدت الإمبراطورية تماسكها الداخلي وثقة أبنائها. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط عن أداء ترامب، بل عن قدرة النظام الأمريكي نفسه على تصحيح مساره قبل أن تتحول الصدمات إلى انهيار تدريجي.




