صباح مختلف ليس ككل صباح، يوم مشؤوم لم تشهده سواحل لينديسفارن الهادئة، ففي الثامن من يونيو عام 793، شهدت الجزيرة المقدسة يوما غير عادي، يوم خلده التاريخ بنقطة تحول في تاريخ أوروبا، لحظة فاصلة انقسم معها الزمن إلى ما قبل وما بعد، فعلى سواحل هولي آيلاند، ودير القديس كوثبرت، ترتفع أعمدة الدخان، لتختلط أجراس الصلاة بصليل الفؤوس، وتبدأ واحدة من أكثر الصفحات دموية ورعبا في التاريخ.
غارة بحرية، لم تكن مجرد غارة عابرة، لكنها كانت الشرارة التي أعلنت ميلاد عصر الفايكنج، عصر أعاد رسم خرائط النفوذ وزرع الخوف في قلوب الممالك الأوروبية لقرون طويلة، ووسط بحر الشمال، ظهرت السفن الطويلة ذات الرؤوس المنحوتة على هيئة تنانين؛ تنزلق بسرعة مذهلة نحو الشاطئ.
لم يدرك الرهبان حينها أن هؤلاء القادمون من أقصى الشمال لا يحملون رسالة سلام، بل جاءوا بفؤوسهم وسيوفهم ليحولوا الجزيرة المقدسة إلى ساحة للموت والخراب؛ ومن هنا، بدأت الحكاية التي بقيت محفورة في الذاكرة الإنسانية باعتبارها أول وأشهر غارات الفايكنج في أوروبا.
اختيار "لينديسفارن" ودير القديس كوثبرت، لم يكن مصادفة، فكان الدير حينها من أغنى الأديرة المسيحية في إنجلترا، يحتوي على كنوز من ذهب وفضة، وكؤوس مقدسة، ومخطوطات نادرة مرصعة بأحجار كريمة، أبرزها إنجيل لينديسفارن الشهير، ثروة بلا حراسة تقريبا، لا أسوار تحمي المكان، ولا جنود يدافعون عنه، ورهبان يعيشون حياة زهد وعبادة، ليصبح الدير هدفا مثاليا لغارة الفايكنج، التي نفذت بإتقان وسرعة، مستفيدين من سفنهم السريعة القادرة على الرسو مباشرة فوق الشواطئ.
مخطوطات قديمة وصفت المشهد، وما جرى داخل الدير، بتجاوز حدود النهب والسرقة؛ ليقوم الفايكنج بمذبحة كاملة من قتل للرهبان وكبار السن بوحشية، وتدنيس المذابح المقدسة، وسلب للكنوز، واقتياد عدد كبير من الرهبان والأطفال بالسلاسل إلى السفن ليباعوا لاحقا في أسواق العبيد أو يفدى بهم مقابل الأموال، وتشير بعض الروايات إلى أن عددا من الضحايا جردوا من ملابسهم وأُلقي بهم في البحر ليلقوا حتفهم غرقا، في مشهد جسد قسوة لم تعهدها أوروبا آنذاك.
الواقع الوحشي
ومن روايات تصف أرض الواقع الوحشي، إلى روايات سجلتها مخطوطات أنجلوسكسونية، التي تحدثت عن ظواهر غريبة في السماء سبقت الغارة، حيث سجلت ظهور عواصف عنيفة وألسنة نار وتنانين طائرة، اعتبرها الناس نذيرا لغضب سماوي، وبعد وقوع الهجوم، رأى كثير من رجال الدين، وعلى رأسهم العالم ألكوين، أن ما حدث كان عقابا إلهيا، بينما تحولت رؤوس التنانين المنحوتة على مقدمة سفن الفايكنج إلى رمز للرعب القادم من الشمال.
أساليب مكنت الفايكنج من مهاجمة مدن وسواحل امتدت من إنجلترا وفرنسا إلى أيرلندا وشرق أوروبا، فلم تكن اتصالاتهم التجارية هدفها التجارة، تلك التجارة المتبادلة بين الإسكندنافيين وسكان سواحل بريطانيا، والتي بدأت على شواطئ لينديسفارن لم تكن للتجارة، بل كانت للاستكشاف وإعلان عن استراتيجية جديدة تعتمد على الغارات الخاطفة، والسرعة، والمفاجأة.
"مجرد فايكنج يزورون إنجلترا"، مفارقة ساخرة، وبعد أكثر من اثني عشر قرنا، لا تزال غارة لينديسفارن تدرس باعتبارها نقطة التحول الكبرى التي دشنت عصر الفايكنج، وأصبحت اللوحات الفنية والمنحوتات التاريخية شاهدا على ذلك اليوم الذي واجه فيه رهبان عزل محاربين لا يعرفون الرحمة، يوم لم يكن مجرد معركة، بل بداية زمن جديد، خرجت فيه التنانين من الأساطير إلى شواطئ أوروبا، لتكتب بالفأس والنار واحدة من أكثر الحقب تأثيرا في تاريخ البشرية.








