النقابة V.S مجلس النواب
أزمة الأطباء.. معادلة صعبة بين سد العجز ومطالب خفض أعداد المقبولين بالكليات
تواجه الحكومة تحديا كبيرا في إدارة ملف الأطباء، حيث تقع بين شقي الرحى لطلبين متناقضين؛ الأول هو الشكوى المستمرة من عجز الأطباء في المستشفيات والمراكز والوحدات الصحية، والثاني ضغوط نقابة الأطباء المستمرة لخفض أعداد الطلاب المقبولين بكليات الطب لوقف ما تصفه بـ «التكدس الدراسي» وتراجع جودة التدريب العملي.
تتمسك نقابة الأطباء بمطلبها بتخفيض أعداد القبول بكليات الطب، مستندة إلى أن قدرة المستشفيات الجامعية على تدريب الطلاب تراجعت بسبب الأعداد الضخمة، مما يهدد كفاءة الخريج ويخلق بطالة مقنعة في المستقبل.
وترى النقابة أن المشكلة الحقيقية ليست في عدد الخريجين الإجمالي من الأطباء، بل في الهجرة الجماعية إلى الخارج أو استقالتهم من العمل الحكومي بسبب تدني الأجور، وغياب الحماية القانونية، وصعوبة بيئة العمل.
في المقابل، تضغط المستشفيات الحكومية ووزارة الصحة وبالطبع الجامعات الخاصة، للحفاظ على تدفق الخريجين لمواجهة العجز الحاد في أطقم الرعاية الطبية، خاصة مع التوسع في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل التي تتطلب طاقة استيعابية بشرية ضخمة.
ويرى مسؤولو التخطيط الصحي أن خفض القبول حاليًا قد يؤدي إلى انهيار الخدمات الطبية في المحافظات والمناطق النائية التي تعتمد بشكل أساسي على أطباء التكليف الجدد.
وفى هذا الإطار، يقول الدكتور أيمن محسب، وكيل لجنة الشئون الاقتصادية بمجلس النواب، أن المطالبات بخفض أعداد الطلاب المقبولين بالكليات الصحية، والتي جاءت على خلفية تحذيرات من تأثير الزيادة الحالية على جودة التعليم الطبي والتدريب الإكلينيكي، تعالج جانبًا واحدًا من الأزمة، بينما يتمثل التحدي الحقيقي في استمرار هجرة الأطباء وتفاقم العجز في أعداد العاملين داخل المنظومة الصحية.
260 ألف طبيب
وأشار إلى أن البيانات المتداولة تفيد بأن عدد الأطباء المقيدين بنقابة الأطباء يبلغ نحو 260 ألف طبيب، في حين لا يتجاوز عدد العاملين داخل مصر نحو 120 ألف طبيب، بينما يعمل أكثر من 110 آلاف طبيب مصري بالخارج، وهو ما يعكس أن المشكلة الأساسية ليست في أعداد خريجي كليات الطب، وإنما في فقدان الدولة جانبًا كبيرًا من كوادرها الطبية بعد تأهيلها.
وأضاف أن الكثافة الطبية في مصر تبلغ نحو 9 أطباء لكل 10 آلاف مواطن، مقارنة بالمعدل المرجعي الدولي البالغ 23 طبيبًا لكل 10 آلاف مواطن، الأمر الذي يعكس وجود فجوة بين احتياجات المنظومة الصحية وعدد الأطباء العاملين بها، خاصة في المستشفيات الحكومية والمناطق الأكثر احتياجًا وعدد من التخصصات الحيوية.
وطالب بالإفصاح عما إذا كانت الحكومة أعدت دراسة قومية تحدد الاحتياجات الفعلية للدولة من الأطباء حتى عام 2035، والأسس التي تعتمد عليها في تحديد أعداد المقبولين بكليات الطب، ومدى تأثير خفض أعداد المقبولين على تلبية احتياجات الدولة المستقبلية، إضافة إلى خطة الحكومة للتوسع في المستشفيات الجامعية والتعليمية، وتحسين بيئة عمل الأطباء والحد من الاستقالات والهجرة.
كما طالب بإعداد استراتيجية وطنية متكاملة للحد من هجرة الأطباء وتحسين بيئة العمل وتطوير منظومة الأجور والحوافز، وإعداد دراسة قومية محدثة لتحديد الاحتياجات الفعلية من الأطباء حتى عام 2035، وربط سياسات القبول بكليات الطب بنتائجها، وربط أعداد المقبولين بالطاقة الاستيعابية الفعلية للتدريب الإكلينيكي في كل كلية.
على الجانب الآخر، يؤكد الدكتور أسامة عبد الحى نقيب الأطباء، إن ما يثار حول وجود تضارب في المطالب بين حل أزمة نقص الأطباء وخفض أعداد المقبولين بكليات الطب هو توصيف يفتقر للدقة؛ مشيرا إلى أن المطلبين وجهين لعملة واحدة أصلها غياب الرؤية الاستراتيجية في إدارة الثروة البشرية الطبية بمصر.
ويضيف ان المشكلة الحقيقية ليست في قلة عدد الخريجين، بل في بيئة العمل الطاردة التي تدفع بآلاف الأطباء سنويًا للاستقالة أو الهجرة للخارج بحثا عن تقدير مادي وأدبي وحماية قانونية. وشدد على أن استمرار سياسة زيادة أعداد المقبولين بكليات الطب دون وجود قدرة استيعابية حقيقية للمستشفيات الجامعية على التدريب الإكلينيكي، هو بمثابة استبدال الكفاءة بالكم، مما يهدد جودة وسمعة الطبيب المصري عالميًا، ويحول كليات الطب إلى مصانع لتفريغ شهادات لا يجد أصحابها تدريبا حقيقيا.








