و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

الإدارة هي عملية توجيه وتنسيق للموارد البشرية والمادية من أجل تحقيق أهداف مُحددة بكفاءة وفاعلية، وتعتمد الإدارة على أربع عناصر، هي: التخطيط، والتنظيم، والتوجيه، والرقابة؛ بغرض الوصول إلى أفضل النتائج وبأقل التكاليف، ولقد باشر الإنسان منذ ظهوره فن الإدارة؛ حتى يُمكنه الحياة على الأرض المليئة بالحيوانات المتوحشة، والطقس المُتقلِب المُتغيِر، والطبيعة الجغرافية المُتنوعة.

مُعتمدًا على قُدراته الشخصية، وقوة سواعده، فأخذ في بناء بيت يسكنه، يحميه من حرارة الشمس وبرودة الطقس، ومهد طُرق يَسير فيها ويجر عليها عرباته ودوابه، كما ابتكر الوسائل والأدوات التي تُعينه على العيش في الحياة، والتعايش مع مُتغيراتها المناخية والطبيعية، والتي تُحيط به من كل جانب. 

وفى تلك الحياة، وعندما كان الإنسان تُصيبه حالة غير طبيعية، سواء في جسده أو عقله، وتَتسبب فى خللا بوظائفه الطبيعية، وإرهاقً بجسده، وانزعاج لنفسيته، تجعله يلزم الفراش، فيبحث المحيطون به عن سبب لِما ألمَّ به وأصابه، ورويدًا رويدًا أدرك الإنسان أن هناك حشرات مؤذية، تتسبب لدغاتها في الإصابة بمرض تُعيق الحركة وتمنع النشاط اليومي، وأن عضة الحيوانات تُصيب بالمرض وعدم القدرة على الحركة.

فضلا عن التعرض لظروف طقس مُتغيرة مُتقلبة فتُصيب هي الأخرى الإنسان بالمرض وتُجلسه بمنزله، هذا إلى جانب تناول أطعمة قد تُسبب الضرر والمرض، وهذه هي أنواع الأمراض القديمة والحديثة التي عرف الإنسان أنها قد تصيبه في حياته، الأولى منها أمراض مَعدية، والثانية أمراض غير مَعدية، وهي المعروفة باسم الأمراض المُزمنة، والثالثة أمراض نفسية وعقلية، والأخيرة هي أمراض النقص والتغذية. 

وأمام هذا الكم من الأمراض التي قد تُصيب بعض البشر على مر التاريخ الإنساني، فقد بدأ الإنسان يعرف أنه عند إصابته بعضة حيوان أو سخونة ورعشة في جسده أو عدم القدرة على الحركة فإنه عليه استشارة أخرين تخصصوا في فحص الطعام والشراب وجسد الإنسان، وبإمكانهم العمل على شفاء هؤلاء المرضى، عن طريق وصفات تُشفي الأمراض، وبسبب تلك الوصفات قد يستطيع المريض، بعد يوم أو أكثر، أن يعود لممارسة أنشطته الحياتية، وإن كان في بعض الأحيان يموت؛ جراء ما أصابه من مرض لم يستطع المتخصصون تشخيصه ومعرفته والعمل على الشفاء منه.

لقد كان هؤلاء المتخصصون في شفاء الأمراض -في بداياتهم- من رجال الدين، وهم الكهنة والروحانيين، الذين كانوا يمارسون بعض من الطقوس السحرية والطب البدائي داخل المعابد، ويُعد "أمحوتب" المصري أول طبيب سجله التاريخ في القرن السابع والعشرين قبل الميلاد، ثم جاء اليوناني "أبوقراط"، والذي يعود إليه الفضل في فصل الدين عن الطب، فصار الطب مهنة ليس لها علاقة برجال الدين من الكهنة، ولقد ازداد الطب شهرة ونال الأطباء مكانة في العصر الإسلامي، فكان منهم "أبو بكر الرازى" و"ابن سينا" و"أبو القاسم الزهراوى"، وغيرهم الكثير من الذين ساهموا في ارتقاء مهنة الطب والأطباء. 

وعروجًا سريعًا على تاريخ الطب والأمراض، نجد أن المصري القديم قد فحص حالات مرضية ووضع لها تشخيصًا منذ 1500 سنة قبل الميلاد، حيث تم العثور على بردية تشخيصية لحالة سرطان، وفى بلاد اليونان القديمة، وفي القرن الخامس قبل الميلاد، نجد الطبيب "أبوقراط" كان أول مَن أرجع سبب الأمراض إلى اختلال في سوائل جسم الإنسان، وفى القرن الثالث عشر الميلادي، وفى العصر الإسلامي، نجد الطبيب المُسلم الأندلسي "ابن زهر" وقد مارس تشريح جسد الإنسان من أجل الوقوف على حقيقة الأمراض وأثرها على جسم الإنسان.

ثم توالت الاكتشافات الطبية، ويمكن القول إن القرن التاسع عشر كان نقطة التحول الحقيقية عندما اكتشف كلا من الفرنسي "لويس باستور" والألماني "روبرت كوخ" أن البكتريا والجراثيم هي السبب الرئيس للأمراض المَعدية.

إدارة المرض

وأمام هذا الكم من الأمراض والتشخيصات فلقد ظهر ما يقابلها من اكتشافات لأدوية وعلاجات، وإن بدت بسيطة في بدايتها، كاكتشاف السومرين لأدوية مستخرجة من النباتات والمعادن قبل 4000 سنة قبل الميلاد، وفى بغداد أيضًا، في العصر الإسلامي، ظهرت أول صيدلية مُتخصصة وأول دستور للأدوية "الأَقْرَباذِيْن" في القرن الثامن الميلادي، ثم توالت الاكتشافات والابتكارات العلاجية، وكانت الطفرة في القرن التاسع عشر والعشرين عند اكتشاف البنسلين على يد الأسكتلندي "ألكسندر فليمنج". 

ولكن رغم تلك الجهود والاكتشافات، ومحاولة محاربة الأمراض بالأدوية حينًا، والعمليات الجراحية حينًا أخر، وبالاستئصال أحيانًا، ورغم كثرة عدد الأطباء والصيدلانية، إلا أنه عند التركيز فيمن أصابه المرض وذهب لطبيب أكثر من مرة، ثم تناول أدوية، فإنا نجده لا يُشفى أو يُبرأ منه كُلية، ولكنه في أغلب الأحيان قد استقرت حالته على ما وصلت إليه دون شفاء، ورويدًا رويدًا يتعايش المريض مع حالته الصحية المَرَضية مع الأماني بعدم تفاقمها بفعل الأدوية وكثرتها والتي قد تصيبه بأمراض أخرى، وتظهر براعة الطبيب في محاولته السيطرة على المرض وعدم انتشاره أو تفاقمه أو إحداث مزيد من الأثار الجانبية للأدوية التي يتناولها المريض، فكلاهما، المريض والطبيب، قد تعلما من الحياة فن إدارة المرض.

 الطبيب بقدرته على السيطرة على المرض وعدم تفاقم وتدهور الحالة الصحية للمريض، وتجنب الأثار الجانبية لكثرة الأدوية، كما تعلَّم المريض التعايش مع أزمته الصحية ومحاولة إدراك طبيعة مرضه وكيفية عدم تفاقمه أو حدوث مزيد من التدهور الصحي لحالته، وهكذا فالطبيب والمريض قد تعلما فن إدارة المرض وليس الشفاء منه والقضاء عليه، وإن كان الأول متكسبًا ماديًا من حالة مريضه التي لا يُشفى منها، والثاني خاسرًا ماديًا وصحيًا ولكنه اكتسب خبرة المرض وكيفية إدارته بالتعايش معه وقُبوله.

كتب الله الشفاء لجميع المرضى وعافانا جميعًا.   

تم نسخ الرابط