إشارات مركبة واسترضاء سطحي
خيارات خامنئي تهديد أم استعطاف للخليج.. خبير: إدارة للتوتر وخيار المواجهة قائم
في تصريحات جديدة أعلنها المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، حاول من خلالها «إمساك العصا من المنتصف»، ما بين التهديد والوعيد لأمريكا، وما بين الدبلوماسية المرنة تجاه دول الخليج، وأكد خلال تصريحاته أن هناك فصل جديد يكتب في المنطقة ومضيق هرمز، كما أشار أن الشرق الأوسط سيحظى بمستقبل مشرق دون الولايات المتحدة الأمريكية، وأضاف أن إيران ودول المنطقة يجمعهم مصير واحد في مياه الخليج، وبحر عمان، كما ألمح إلى أن مضيق هرمز سيكون له إدارة جديدة تجلب الهدوء والسلام.
وتعليقاً على تصريحات «خامنئي»، أوضح الباحث في الشئون الدولية أبو بكر الديب لـ«الصفحة الأولى»، أنه في ضوء التصريحات الأخيرة للمرشد الإيراني والتي حملت إشارات مركبة بين الرسائل الداخلية الموجهة للجمهور الإيراني والرسائل الخارجية الموجهة إلى الإقليم والولايات المتحدة، ويرى أن إيران لا تتحرك في اتجاه استرضاء مباشر للجيران بقدر ما أنها تعيد ترتيب أدواتها الدبلوماسية والأمنية ضمن لحظة إقليمية شديدة الحساسية تتقاطع فيها الضغوط الاقتصادية مع التهديدات العسكرية ومع تحولات موازين الردع في الشرق الأوسط.
فحديث الاسترضاء هنا قد يبدو سطحيا إذا قرأناه من زاوية خطابية بينما القراءة الأعمق تشير إلى إدارة تكتيكية للتوتر وليس تخليا عن منطق المواجهة أو تقليصا له بل إعادة توزيع له في ساحات مختلفة بحيث يتم تخفيف الاحتكاك في بعض النقاط مقابل تصعيد محسوب في نقاط أخرى خاصة في مسارح النفوذ البحري والبرّي الممتد من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن وعندما يشار إلى إدارة جديدة لمضيق هرمز فإن هذا التعبير لا يمكن فهمه كتحول إداري تقني بقدر ما هو إشارة سياسية استراتيجية تعكس محاولة إعادة تعريف قواعد الاشتباك في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ورقة ضغط
حيث يشكل المضيق ورقة ضغط مركزية في يد طهران تستخدمها تاريخيا كأداة ردع غير مباشرة فالإشارة إلى إدارة جديدة قد تعني في العمق إعادة صياغة قواعد المرور أو رفع مستوى التفتيش أو حتى توسيع مفهوم السيادة البحرية أو اختبار حدود الرد الدولي على أي تشديد في هذا الممر الحيوي وهو ما يندرج ضمن استراتيجية الضغط التدريجي دون الوصول إلى لحظة الإغلاق الكامل الذي قد يفتح مواجهة واسعة لا ترغب فيها إيران في هذه المرحلة لكن ترغب في إبقاء شبحه قائماً كعنصر تأثير على أسواق الطاقة وعلى حسابات القوى الكبرى.
وأشار حسب تقديره إن تصريحات «خامنئي» تحمل بعدين متوازيين الأول داخلي يتعلق بتثبيت صورة النظام أمام الداخل الإيراني الذي يواجه تحديات اقتصادية وضغوط اجتماعية متزايدة حيث يتم تقديم خطاب القوة والسيطرة على الممرات الاستراتيجية كنوع من التعويض الرمزي عن الأزمات الاقتصادية والثاني خارجي موجه إلى الولايات المتحدة وإلى حلفائها في المنطقة حيث يتم إرسال رسالة بأن إيران لا تزال قادرة على إدارة التصعيد وليس فقط التكيف معه وأنها تمتلك أدوات تعطيل حساسة في لحظات الضغط القصوى، أما السؤال حول إلى أين يتجه الشرق الأوسط في ظل هذه الإشارات فيبدو أن المنطقة تتحرك نحو مرحلة إعادة تموضع كبرى وليست مجرد توترات دورية فهناك مسار مزدوج يتشكل الأول هو مسار تهدئة جزئية في بعض الجبهات بهدف تخفيف الضغط الاقتصادي والأمني على الأطراف المختلفة.
والثاني هو مسار إعادة بناء أدوات الردع المتبادل بشكل أكثر تعقيدا حيث لم يعد الردع تقليديا بين دولتين بل أصبح شبكة من الفاعلين الدوليين والإقليميين واللاعبين غير الدولتين ما يجعل أي أزمة قابلة للتوسع السريع في أكثر من اتجاه في وقت واحد وفي هذا السياق تبدو تصريحات إيران جزءا من لعبة توازن دقيقة لا تريد فيها الذهاب إلى الحرب لكنها لا تريد أيضا فقدان أوراق القوة التي تراكمت خلال العقدين الأخيرين، أما بالنسبة لأوراق الضغط التي يمكن أن يلعبها «ترامب» في حال عودته أو حتى في سياق تأثيره السياسي الحالي فهي تتوزع بين عدة مسارات أولها الضغط الاقتصادي عبر إعادة تفعيل أقصى درجات العقوبات المالية والطاقة بهدف تقليص قدرة إيران على المناورة الاقتصادية.
وثانيها الضغط الدبلوماسي عبر بناء تحالفات إقليمية جديدة أو إعادة تنشيط التحالفات التقليدية بما يعيد فرض عزلة سياسية على طهران وثالثها الضغط العسكري غير المباشر من خلال تعزيز الوجود البحري في الخليج ومضيق هرمز وإرسال رسائل ردع واضحة دون الدخول في مواجهة مباشرة ورابعها استخدام ورقة الاتفاقات الإقليمية كأداة جذب أو عزل في آن واحد عبر تقديم حوافز لبعض الأطراف الإقليمية مقابل تقليص تعاونها مع إيران أما العنصر الأكثر حساسية في أوراق الضغط فهو إدارة التصعيد المحدود أي إبقاء مستوى التوتر في منطقة رمادية لا تصل إلى الحرب الشاملة لكنها تمنع أيضا الاستقرار الكامل.
ضبط إقليمي
وهذا النوع من الإدارة يخلق حالة إنهاك تدريجي للخصم دون كلفة حرب مباشرة، وحسب تقديره إن التداخل بين رسائل «خامنئي» الأخيرة وبين الحسابات الأمريكية المحتملة يعكس أننا أمام مرحلة إعادة ضبط إقليمي وليست مرحلة حسم نهائي فكل طرف يمتلك ما يكفي من أدوات التعطيل لكنه لا يمتلك القدرة أو الرغبة في الذهاب إلى النهاية الكاملة للصراع وهذا ما يجعل الشرق الأوسط في وضع أقرب إلى التوازن القلق حيث الاستقرار ليس نتيجة اتفاق بل نتيجة توازن خوف متبادل وتقدير مستمر للكلفة وفي مثل هذه البيئات تصبح التصريحات السياسية ليست مجرد كلمات بل أدوات تشغيل للمشهد الإقليمي.
حيث يمكن لجملة واحدة عن مضيق أو إدارة أو ردع أن تغير في أسعار الطاقة أو في حسابات العواصم الكبرى ولذلك يرى أن ما بعد هذه التصريحات هو مرحلة اختبار نوايا وليس مرحلة قرارات نهائية حيث يتم قياس ردود الفعل بدقة شديدة قبل الانتقال إلى أي خطوة أكبر سواء في اتجاه التصعيد أو التهدئة ويظل العامل الحاسم هو قدرة الأطراف على إدارة الوقت أكثر من قدرتها على إدارة القوة لأن من ينجح في تمديد الزمن دون انفجار هو من يفرض شروط المرحلة القادمة في الشرق الأوسط.







