و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

في الأيام القليلة الماضية، لم يكن الحديث عن الإنترنت في مصر مجرد شكوى عابرة أو تذمّر موسمي من بطء الخدمة، بل تحوّل إلى حالة عامة من القلق والانزعاج، انعكست بوضوح على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تصدّرت شكاوى انقطاع الخدمة، ونفاد باقات الإنترنت قبل موعدها، وضعف السرعات، واجهة النقاش العام.
ورغم هذا الضجيج الرقمي، خرجت الجهات الرسمية لتؤكد أنه لا توجد أي أعطال عامة في شبكة الإنترنت، وأن الخدمة تعمل بشكل طبيعي، وأن ما يُتداول على السوشيال ميديا لا يعكس أزمة حقيقية على مستوى الدولة.
وهنا يبرز السؤال الأهم:
إذا لم تكن هناك مشكلة، فلماذا يشعر عدد كبير من المواطنين أن هناك مشكلة فعلية؟
حين لا يكون الغضب وهمًا
الغضب الجماعي لا يولد من فراغ ، فالمواطن الذي يشتكي من انتهاء باقته مبكرًا، أو من انقطاع الخدمة لساعات، أو من ردود دعم فني لا تقدّم تفسيرًا واضحًا، لا يتحدث من باب المبالغة، بل من تجربة يومية تمسّ عمله، ودراسته، ونمط حياته.
وفي المقابل، فإن نفي الجهات الرسمية لوجود “عطل عام” قد يكون صحيحًا من الناحية التقنية، لكنه لا يُنهي الإحساس العام بأن جودة الخدمة لا تلبي التوقعات، ولا يفسّر الفجوة بين ما يراه المواطن على شاشته، وما يُقال له في البيانات الرسمية.

الفجوة الصامتة بين الطرفين

المشكلة الحقيقية هنا لا تتعلق بالإنترنت وحده، بل بالتواصل.
فهناك حلقة مفقودة بين مستهلك يشعر أن صوته لا يصل، وجهة رسمية تعتمد في تقييمها على البلاغات المسجّلة لا على المزاج العام، وشركات مقدّمة للخدمة تتعامل مع كل شكوى باعتبارها حالة فردية لا مؤشرًا عامًا.
في هذه المساحة الرمادية، تتراكم الشكوك، وتنتشر التأويلات، ويتحوّل أي خلل محدود إلى أزمة رأي عام.
لماذا لا يُبلّغ المواطن؟
قد يبدو السؤال مباشرًا: لماذا لا يتقدّم المواطن بشكوى رسمية ما دام يشعر بوجود مشكلة؟
لكن الواقع أكثر تعقيدًا. فالكثير من المستخدمين فقدوا الثقة في جدوى الشكوى، أو لا يعرفون المسار الصحيح لها، أو سبق لهم خوض التجربة دون نتيجة واضحة.
وبمرور الوقت، تتحوّل مواقع التواصل الاجتماعي إلى مساحة بديلة للتعبير، ليس لأنها القناة الصحيحة، بل لأنها الأقرب والأسرع، والأكثر قدرة على تفريغ الغضب.
وهنا، لا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد فقط.
بين النفي والاعتراف
نفي وجود عطل عام لا يعني إنكار معاناة المستخدم، كما أن تضخيم الشكاوى لا يعني بالضرورة وجود انهيار في الشبكة.
ما يحتاجه المشهد هو لغة مشتركة تشرح للمواطن ما يحدث بوضوح، وتؤكد له أن شكواه مسموعة، وتمنحه أدوات فعلية للمتابعة والمحاسبة.
الإنترنت ليس رفاهية
الإنترنت اليوم لم يعد خدمة تكميلية، بل بنية أساسية للحياة الحديثة.
وأي خلل فيه، مهما بدا محدودًا أو غير عام، ينعكس مباشرة على تفاصيل العمل والتعليم والخدمات اليومية.
فالحديث عن جودة الإنترنت لم يعد شأنًا تقنيًا يخص الشركات فقط، بل أصبح جزءًا من النقاش الأوسع حول العدالة الرقمية، وتكافؤ الفرص، وقدرة المواطن على العمل والتعلم والوصول إلى الخدمات.
ومع توسّع الاعتماد على المنصات الرقمية، لم يعد ضعف الخدمة مشكلة فردية، بل عائقًا اقتصاديًا واجتماعيًا يستحق نقاشًا أعمق وشفافية أكبر.
ومن هنا، فإن احترام وعي المستهلك لا يكون فقط عبر نفي الأزمة، بل من خلال الاعتراف بإحساسه، وفتح باب الحوار، وتحويل الشكوى من حالة غضب مبعثرة إلى أداة إصلاح حقيقية

تم نسخ الرابط