و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

ما نعيشه اليوم ليس أزمة طارئة،ولا خللًا عابرًا،
ولا نتيجة “زمن صعب” كما نُحب أن نُخفف عن أنفسنا.

ما نعيشه هو انهيار نموذج إنساني كان يعمل،
ثم استُبدل بنموذج مشوّه، دون وعي،
ودون استعداد، ودون مساءلة.

في الماضي،لم تكن الأسرة مثالية،
لكنها كانت واضحة الأدوار.

الأب كان مسؤولًا مسؤولية كاملة:
إنفاقًا، وحضورًا، وقرارًا،
وكان يُحاسَب اجتماعيًا على أي تقصير.

والأم — رغم قلة الموارد —
كانت تُربي رجالًا يعرفون معنى الالتزام،
ونساءً قويات دون عداء، لأنها كانت تقوم بدورها وهي مطمئنة لا خائفة.

لم يكن ذلك لأن الماضي أرحم،
بل لأن:
• القوامة كانت معنى لا فاتورة
• الأمومة كانت تربية لا تعويض
• الأسرة كانت وحدة لا ساحة صراع
• والمجتمع كان شريكًا في التقويم

ما الذي تغيّر فعلًا؟

التغير لم يبدأ أخلاقيًا، بل ماديًا.

ارتفعت تكاليف الحياة، وتضاعفت الضغوط،
وصعد المال ليصبح القيمة الأعلى.

لكن الكارثة لم تكن في المادة،بل في أن الوعي لم يتطوّر معها.

دخلنا زمنًا جديدًا بعقول قديمة، وتزوجنا بنفس المفاهيم، وأنجبنا بنفس العشوائية،
وربّينا دون تأهيل نفسي أو إنساني.

سقوط الأب… لا غيابه

مع الضغط الاقتصادي،
بدأ الرجل يفقد إحساسه بالقيمة،
فاختصر القوامة في الإنفاق.

وحين عجز المال، انسحب الدور كله.
لم يعد الأب حاضرًا نفسيًا،
حتى وهو موجود جسديًا.
فصار الغياب هو القاعدة، لا الاستثناء.

وهنا تُركت الأم وحدها في الميدان.

اختلال الأمومة… لا ضعفها
الأم اليوم ليست ضعيفة،بل مرهقة، قلقة، غير مشبَعة.
احتياج الأنثى للاهتمام والاحتواء احتياج فطري.
وحين لا تجده المرأة في علاقة ناضجة،
فهي لا تتوقف عن الاحتياج، بل تبحث عن بديل.

وفي كثير من البيوت، كان البديل هو الأبناء.

فتُفرّغ الأم احتياجها داخلهم دون وعي:
• ابن يتحول إلى مركز حياتها
• سندها النفسي
• صورتها عن الرجل الذي لم تحصل عليه

فتصنع رجلًا:
مرتبطًا، خائفًا من الصدام،غير قادر على قيادة علاقة أو تحمّل مسؤولية أسرة.

وفي المقابل،
تُربي ابنتها على صلابة مفرطة،بدافع الخوف لا القوة،
فتنشأ فتاة ترى الاعتماد ضعفًا، والاحتياج خطرًا، والعلاقة ساحة دفاع.

وهكذا نخلق تشوهًا مزدوجًا.

حين انهارت القوامة

تحولت القوامة من:
التزام وحماية وقيادة إلى: بند مالي قابل للتفاوض.

الرجل لم يعد يرى الإنفاق واجبًا،
بل عبئًا أو منّة.

والمرأة — نتيجة خبرات متراكمة —
لم تعد ترى القوامة أمانًا، بل خطرًا محتملًا.

فنزلت سوق العمل لا لتحقيق ذاتها،
بل خوفًا من الذل. العمل لم يعد تمكينًا،
بل تأمينًا. والاستقلال لم يعد حرية، بل درعًا.

الأسرة… الحلقة الأضعف

حين يغيب القائد، وتفقد المرأة الأمان،
وتتحول العلاقة إلى صراع بقاء،
لا تعود هناك أسرة.

بل شركاء قلقين، وأطفال يتربّون على:
أن العلاقة عبء، والالتزام خطر، والحب لا يكفي.

وهنا لا نفشل في جيل واحد، بل نُطلق سلسلة فشل ممتدة تنتقل كالفيروس بين الأجيال.

من المسؤول؟

ليس الرجل وحده. ولا المرأة وحدها.
ولا المال وحده. ولا الزمن وحده.

المسؤول الحقيقي هو:
• غياب الوعي النفسي قبل الزواج
• إنجاب بشر دون تأهيل إنساني
• تطبيع الخلل حتى صار “طبيعيًا”
• اختزال القيم في المادة
• تحميل الأبناء أعباء لم تُحلّ بين الكبار

وما الحل؟

الحل ليس في صراع الأدوار، ولا في شيطنة الرجل، ولا في إنهاك المرأة أكثر.

الحل يبدأ من نقطة واحدة فقط:

إصلاح الإنسان قبل الأسرة.

تأهيل نفسي قبل الزواج.
فهم حقيقي للقوامة والشراكة.
أم تعرف أن ابنها ليس تعويضًا.
وأب يدرك أن حضوره ليس اختياريًا.

لأن إنسانًا غير مؤهَّل لا يُنجب إلا خللًا…
ولو امتلك كل النوايا الطيبة.

الماضي لم يكن مثاليًا، لكنه كان متوازنًا.
والحاضر ليس فاسدًا بطبيعته،
لكنه غير مُدار بوعي.

وإن لم نبدأ الآن،
فنحن لا نضيّع أسرًا فقط، بل مستقبلًا كاملًا
لم يولد بعد.

تم نسخ الرابط