في المشهد الاجتماعي والاقتصادي الراهن، ترتسم ملامح معادلة قاسية ذات أطراف ثلاثة: طاحونة ضاغطة تتصاعد قوتها، وفئات تقبع في القاع تحت ثقل الضغط، وبينهما مواطن يجد نفسه عالقاً في المنطقة الرمادية، يخوض معركة يومية شراسةً لا لكي يتقدم إلى الأمام، بل فقط ليحافظ على موقعه الذي وصل إليه بعد سنوات من الكد والاجتهاد. إنه المواطن المنتمي إلى الطبقة المتوسطة؛ ذاك الذي يحاول بستماتة ألا يفقد مكانه، فلا هو قادر على العيش بمعزل عن طوفان الأزمات العالمية والسياسات القرارية الصارمة، ولا هو يستطيع أن يتخلى بمرونة عما أصبحت مكاسبه وكرامته الاجتماعية مهددة بفقدانه.
إن الضاغط في هذه المعادلة ليس قدراً مجرداً أو ظروفاً عابرة؛ بل هو منظومة متكاملة من التغيرات المتلاحقة، تشمل أزمات اقتصادية عالمية، وحروباً وتوترات تعيد تشكيل أسعار السلع، وقرارات مالية متوالية تُزيد التكلفة على كاهل السوق، إلى جانب تحركات أصحاب رؤوس الأموال الذين يملكون آليات للتكيف وتعديل هامش أرباحهم باستمرار. وفي الطرف المقابل تقف الفئات الأكثر احتياجاً والأقل دخلاً؛ وعلى الرغم من قسوة الظروف على الجميع، إلا أن هذه الفئة تظل غالباً تحت مظلة من إجراءات الحماية الاجتماعية، أو المساعدات الخيرية، أو تكافلات المؤسسات المختلفة. ويضاف إلى ذلك أن طبيعة متطلباتها الحقيقية – بحكم محدودية الدخل ونمط المعيشة – تجعلها قادرة على الاستفادة المباشرة من الخدمات الحكومية في الصحة والتعليم المتاحين، دون أن تقع في فخ الموازنات المعقدة.
الطبقة المتوسطة المأزومة
أما الطبقة المتوسطة، فتجد نفسها في مفارقة موجعة؛ فهي ليست ضمن الفئات المستحقة لشبكات الدعم الاجتماعي، وليست لدى أفرادها القدرة المالية لامتصاص صدمات الغلاء المتتالية. إنها مطالبة بأن تُدبر أمرها بنفسها كلياً، بل إن عائل الأسرة المتوسطة كثيراً ما يجد نفسه متكفلاً ببعض من هم أدنى منه طبقةً ممن يقدمون له خدمات معيشية أو منزلية، لتصبح التزاماته مرشحة للزيادة دوماً، دون أن يتزايد دخله بالوتيرة نفسها.
ولا تتوقف أزمة الطبقة المتوسطة عند حدود السكن والفواتير والقوت اليومي، بل تمتد إلى كل تفصيل كان يوماً جزءاً طبيعياً من الحياة العادية. فحين تُقرر تعديلات تعليمية أو تُفرض مواد نجاح وسقوط إضافية، وتتسع رقعة الاعتماد على الكتب الخارجية والدروس الخصوصية، لا تتأثر المدارس الخاصة بالطبقات العليا، ولا يتغير الكثير على الطبقات الدنيا التي تحجم عن هذا السباق. أما الأسرة المتوسطة، فتجد نفسها مكرهة على دفع مبالغ طائلة لضمان فرصة منافسة حقيقية لأبنائها، فتدفع أكثر لا لتتفوق، بل لتظل في مكانها على خريطة التعليم. ويمتد الأمر ذاته إلى الترفيه والتطلع الاجتماعي؛ إذ إن المشروعات القومية والتوسع في المدن الجديدة والوجهات السياحية كالعلمين وغيرها يمثل إنجازاً عمرائياً حقيقياً، لكن الفجوة تظهر في مدى قدرة المواطن المتوسط على النفاذ إليها. فالطبقة الدنيا لا تضع مثل هذه الوجهات ضمن حساباتها، في حين يستشعر أبناء الطبقة المتوسطة مرارة العجز عن ارتيادها، لأن الترفيه -ولو بمصيف سنوي بسيط- كان جزءاً من نمط حياتهم المعتاد، ليواجه الأب قراراً إنسانياً مؤلماً بين تلبية تطلع مشروع لأبنائه أو توجيه المبلغ المتبقي لضروريات أكثر إلحاحاً.
ولا ينبغي اختزال هذه الفجوة في مجرد "زيادة التطلعات" أو مطالبة الناس بالقناعة وعدم المقارنة في زمن الانفتاح الرقمي؛ فالمشكلة ليست في رغبات الناس، بل في الاتساع المتزايد بين ما أصبح متاحاً ومكشوفاً أمام الأعين، وبين ما تسمح به الدخول الثابتة أمام تكاليف متغيرة لا تعرف الهوادة. وتغدو هذه المسافة أكثر إيلاماً لمن يقفون على حافة الطبقة المتوسطة العليا؛ أولئك الذين يُعدّ التراجع المعيشي بالنسبة إليهم إحساساً محرجاً اجتماعياً ومؤلماً نفسياً، لأنه يعني ضياع ثمار سنوات طويلة من السهر والعمل والاجتهاد.
وتكمن خطورة استنزاف هذه الطبقة في كونها ليست مجرد شريحة إحصائية تقع بين الغنى والفقر، بل هي «رمانة ميزان المجتمع» ومستودعه الفكري والثقافي. منها يخرج الأطباء والمعلمون، والعلماء والمفكرون، والمبدعون والمهنيون. وفيها يتجسد مفهوم الحراك الاجتماعي الحقيقي، حيث يتطلع الإنسان إلى الارتقاء بكفاءته وتعليمه، لا بثروته الموروثة. وحين تستقر هذه الطبقة، وتكون قادرة على التعليم والاستثمار في قدرات أبنائها والمشاركة في الحياة الاقتصادية والثقافية، فإنها تمد المجتمع بطاقة بشرية وفكرية تضمن توازنه واستقراره. أما حين تتحول حياتها إلى معركة نجاة يومية لتوفير الأساسيات، فإن قدرتها على العطاء تتراجع، وتتحول الأولويات من الابتكار وصناعة الفرص إلى مجرد تفادي السقوط.
في النهاية، لا تطلب الطبقة المتوسطة امتيازات استثنائية، ولا تسعى إلى اقتطاع حقوق الفئات الأشد احتياجاً، ولا تطالب بتعطيل عجلة التنمية. إنها تطلب فقط ألا يغدو الحفاظ على الحياة الكريمة نضالاً يستنزف الروح، وألا تتحول الأشياء التي كانت عادية إلى أحلام مؤجلة. وليس السؤال الحقيقي: كم تحمل هذا المواطن؟ بل: إلى متى يستطيع أن يتحمل دون أن يفقد قدرته على الإنتاج والإبداع؟ فعندما يغدو الضاغط أعتى من قدرة الإنسان على الاحتمال، ويصبح المضغوط عاجزاً عن الحفاظ على موقعه، لا نكون أمام مجرد خلل في ميزانية أسرة، بل أمام سؤال مصيري يمس توازن المجتمع بأكمله




