و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

قد تراها مدينة أشباح، ومنازل مهدمة إن لم تعلم القصة، لكن من يعرف أن هذه غزة يعرف أن أسفل أقدامنا جنة، حيث يسكن الشهداء.. هنا كانت مدينة، مليئة بالحياة والأمل، كانت مدينة تكثر فيها الضحكات، أطفال بين أحضان أجدادهم يلهون ويلعبون.. هنا كانت الأمهات يفتحن نوافذ الصباح على أصوات أبنائهن، وكانت الشوارع تعرف خطى العائدين إلى بيوتهم.

بيوت كانت رغم الحصار وضيق الحال، تختزن أحلاما أكبر من جدرانها؛ ثم جاء السابع من أكتوبر 2023، لتتحول غزة إلى مسرح مفتوح للموت، وتصبح تفاصيل الحياة اليومية أهدافا للحرب، ويجد الفلسطيني نفسه أمام معادلة قاسية؛ إما أن ينجو من القصف، أو ينجو من الجوع، أو ينجو من فقدان البيت والعائلة والوطن الذي يعرفه.. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الحكاية مجرد أرقام أو إحصاءات، بل مأساة تتجاوز قدرة الكلمات على وصفها، وشهادة على انهيار إنساني تتسع دائرته يوما بعد آخر.

خلف كل شهيد حكاية لم تكتمل، وأم تنتظر عودة لن تحدث، وطفل حرمته الحرب من دفء عائلته، وأسر اختفت من الحياة قبل أن تجد فرصة للنجاة، ولم تكن الفاجعة في اتساع دائرة الموت وحده، بل في أن أكثر الفئات ضعفا وجدت نفسها في قلب الكارثة، بلا حماية ترد عنها الخطر أو طريق آمن يقودها إلى النجاة.. لكن الوجه الأكثر قسوة لهذه الكارثة يظهر في عيون الأطفال.

أطفال في قلب الكارثة

أطفال غزة تحولوا من رموز للمستقبل إلى ضحايا يدفعون ثمن حرب لم يختاروها، أطفال لم يعرفوا من العالم سوى أحضان أمهاتهم، ورضع لم يمهلهم العمر حتى يتعرفوا إلى الحياة، وصغار اختلطت في ذاكرتهم أصوات القصف بصراخ الناجين، وحين يفقد الطفل أباه أو أمه، لا يخسر شخصا يحبه فحسب، بل يفقد العالم الذي كان يمنحه الأمان، واليد التي تمتد إليه حين يخاف، والصوت الذي يطمئنه حين يشتد الظلام، وحين ينهار عالم الطفل بفقدان والديه، لا ينتهي الألم عند لحظة الفراق، بل يبدأ فصل آخر من المعاناة.

نساء غزة وأمهات يجدن أنفسهن أمام مسؤوليات تفوق قدرتهن على الاحتمال، بعدما انتزعت الحرب أزواجهن ومصادر رزق أسرهن، وتركت لهن مهمة حماية الأطفال وتأمين الطعام والمأوى.. لم تعد الأمومة وحدها كافية لحماية الأسرة من الجوع والنزوح، ولم يعد الصبر قادرا على ترميم ما تهدم في البيوت والنفوس، وهكذا لم تكتف الحرب بحصد الأرواح، بل ضربت روابط العائلات، وتركت وراءها أجيالا تحمل الفقد والخوف والحرمان.

بيوت غزة لم تعد قادرة على استقبال أصحابها، ومدارس انطفأت فيها أحلام التلاميذ، وشوارع فقدت ملامحها، وذكريات عائلية تبعثرت تحت الأنقاض، وليس الدمار مجرد جدران سقطت أو نوافذ تحطمت، بل حياة كاملة اقتلعت من جذورها، وأماكن فقدت معناها، وناس لم يعودوا يعرفون إن كانت العودة ستقودهم إلى بيوتهم أم إلى بقايا عالم انتهى.

نوفمر على الأبواب وشتاء جديد يبدأ بنهاية 2026، عام آخر من البرد القارس، أطفال ينامون وسط الخوف، من البرد كخوفهم وأكثر من الموت قصفا، أمهات يراقبن السماء خشية أن تحمل إليهن خطرا جديدا، وفي خيام هشة، تتضاعف معاناة الجميع مع البرد والأمطار، وتتحول أبسط مقومات الحياة إلى أحلام بعيدة.. فأي نجاة تلك التي يخرج فيها الإنسان من القصف ليواجه الجوع والمرض والبرد؟!، وأي حياة يعيشها طفل لا يجد سقفا يحميه، ولا فراشا يقيه قسوة الأرض، ولا ضمانا بأن يستيقظ في الصباح على يوم أكثر رحمة؟

بداية معركة أخرى بفقدان المأوى، وجوع لا يسرق من الأطفال قوتهم فحسب، بل يضعف أجسادهم ويحرمهم من النمو الطبيعي، ويجعلهم أكثر عرضة للمرض في وقت تتراجع فيه فرص الحصول على الرعاية الطبية، وحين تصبح الوجبة معركة يومية، والدواء أمنية، والوصول إلى المستشفى رحلة محفوفة بالمخاطر، لا يعود الحديث عن الطفولة وحقوقها مجرد شعارات، بل يصبح اختبارا حقيقيا لمدى احترام العالم حق الإنسان في الحياة.. وما بين جوع ينهك أجساد الأطفال، فإن الإصابات قد تترك في حياتهم آثارا لا تمحوها السنوات.

جروح غزة كثيرة، ما بين احتياج لأطراف صناعية وتأهيل طبي ونفسي طويل، فإن أطفال غزة يحملون في جسدهم وذاكرتهم ندوبا لا ولن تلتئم بسهولة، هم لا يحتاجون إلى التعاطف وحده، بل إلى مستشفيات قادرة على علاجهم، وأدوية لا تنقطع، وممرات آمنة للإجلاء الطبي، وبرامج تأهيل تعيد إليهم بعض ما سلبته الحرب.. وكل تأخير قد يضاعف الألم، وكل فرصة علاج تضيع قد تتحول إلى خسارة لا يمكن تعويضها.. مأساة لا تكمن في حجم الإصابات وحدها، بل في أن إنقاذ المصابين يظل مرهونا بقرارات وإمكانات قد لا تصل في الوقت المناسب.

ومن هنا، لا يعود السؤال مقتصرا على حجم المأساة، بل يمتد إلى مسؤولية العالم عن مواجهتها، فلا قيمة لبيانات التضامن إن لم تفتح طريقا إلى المستشفى، ولا معنى للوعود إن لم تصل إلى طفل ينتظر دواءه، ولا تكفي خطابات الإغاثة لتعويض أم عاجزة عن إطعام أبنائها.. المعيار الحقيقي ليس ما يقال عن غزة، بل ما يقدم لأهلها من حماية وإغاثة وعلاج، وما يبذل لإنهاء الحرب ومنع استمرار المأساة، فالحياد لا يمكن أن يكون مبررا لترك المدنيين وحدهم أمام الموت، والصمت حين تكون الحياة على المحك قد يتحول إلى غطاء لاستمرار الألم.. وإذا كان هذا هو الاختبار الحقيقي للمواقف الدولية، فإن غزة تكشف أيضا خطورة اعتياد العالم على المأساة.

اعتياد يساوي التجاهل، تجاهل الوجه الآخر للحكاية؛ وجه الإنسان الذي لا يزال يتمسك بالحياة.. فغزة ليست ركام البيوت والخيام وقوائم الشهداء وحدها، بل مدينة تسكنها ذاكرة ترفض الموت، وأمهات يواصلن حماية ما تبقى من أبنائهن، وأطفال ينتزعون لحظة فرح من بين الأنقاض، وشعب يتمسك بحقه في الحياة، لكن الصمود لا ينبغي أن يصبح ذريعة لترك الضحايا وحدهم، ولا أن تتحول البطولة إلى بديل عن وقف الحرب وإغاثة المدنيين وإعادة بناء ما دمرته النيران؛ فإذا كان أهل غزة يتمسكون بالحياة رغم كل ما يواجهونه، فإن واجب العالم ألا يتركهم وحدهم في هذه المعركة.

غزة لا تحتاج إلى العالم كي يبكيها فقط، بل إلى أن يتحرك من أجلها؛ إلى حماية حقيقية للمدنيين، ومساعدات تصل إلى مستحقيها، وعلاج ينقذ المصابين، ومأوى يحفظ كرامة النازحين، ومسار جاد ينهي الحرب ويعيد للفلسطينيين حقهم في حياة آمنة وكريمة.. إنها تحتاج إلى عدالة لا تنتقي ضحاياها، وإرادة دولية تضع حياة الإنسان فوق الحسابات السياسية.. وفي النهاية، ستبقى الحقيقة أكبر من أن يدفنها الركام أو تطمسها مجريات الأحداث من حولنا، قد تبدو غزة مدينة أشباح لمن ينظر إلى مبانيها المهدمة، لكنها مدينة تسكنها أسماء ووجوه وأحلام لم يمت أثرها.

غزة تحت كل حجر حكاية، وخلف كل رقم إنسان، وفي كل طفل ناج سؤال عن عالم يرفع شعارات حقوق الإنسان، ثم يعجز عن حمايته من الجوع والخوف والفقد.. وستظل ذاكرة الناجين شاهدة على ما فعلته الحرب بالإنسان، وعلى ما فعله الصمت بالعدالة.. وفي النهاية قد تسقط المدن، وتنهار البيوت، وتغيب الأجساد تحت الركام، لكن الجريمة لا تتحول إلى نصر، ولا تستطيع القنابل محو ذاكرة شعب.. وفي يوم ما، لن يكون السؤال: كم حجرا سقط في غزة؟، بل كم إنسانا كان يمكن إنقاذه، وكم طفلا انتظر العالم أن يمد إليه يده، فلم يجد سوى الصمت، والخوف، والتقاعس، والتجاهل.. فلا تعتادوا المشهد في غزة، ولا تنسوا من بقى ينتظر مياه الحياة لتنبت أزهار غزة من جديد.

تم نسخ الرابط