و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

"كن جاهزًا"، كلمتان أنهى بهما الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" سلسلة اتصالاته الهاتفية السرية الأخيرة مع رئيس الوزراء "الإسرائيلي" "بنيامين نتنياهو"، وبحسب موقع "أكسيوس" الأمريكي ووسائل إعلام "إسرائيلية"، كان "نتنياهو" يلح على استعجال ضوء أخضر من "ترامب" لمعاودة ضرب إيران، وكان "ترامب" ميالًا إلى التريث قليلًا، وتأجيل الضربة الأمريكية "الإسرائيلية" المشتركة إلى ما بعد الانتخابات النصفية الأمريكية المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل. ومفهومٌ ـ طبعًا ـ سبب فروق التوقيت بين "نتنياهو" و"ترامب"؛ فرئيس وزراء العدو "الإسرائيلي" كان يرى في الاستعجال فائدة انتخابية متوقعة لتحالفه اليميني الأشد تطرفًا وإجرامًا في انتخابات "الكنيست" المقررة في 27 أكتوبر الجاري، بينما يرى "ترامب" في الاستعجال خطرًا يقوض فرص حزبه "الجمهوري" المتداعية أصلًا في الانتخابات النصفية.

لكن الرواية كلها تؤكد اتفاق الطرفين على ما هو أهم، وهو إكمال الاستعداد و"الجاهزية" لاستعادة ما كان صباح 28 فبراير 2026، وشن ضربة واسعة مشتركة على إيران يسعون لتوريط أطراف عربية فيها، وإن كانت أطرافًا معنية لا تبدي استعدادًا كافيًا للتورط، وهو ما كان على الأغلب محور النقاش بين أطراف عربية و"نتنياهو" في زيارة مريبة لعاصمة عربية عقب انتهاء أعمال الاجتماع الأخير رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة.

وهذه المرة لن تكون في الحرب مفاجأة من أي نوع؛ فالهدف ظاهر، وتحريك القوات الأمريكية وحاملات الطائرات معلوم لإيران ولغيرها، وتنسيق القيادة المركزية ومسؤولها الجنرال "براد كوبر" مع نظرائه الإسرائيليين وبعض العرب متواتر، من اجتماع "المنتجع الألماني" إلى عواصم المنطقة. والدوائر العسكرية الإيرانية أعلنت استعدادها للمواجهة، بل وربما نيتها في استباق الهجوم الأمريكي "الإسرائيلي"، وتوجيه ضربات لقواعد أمريكا وحشودها البحرية بالذات، وتطوير صواريخ "جوالة" مضادة للسفن، وأحاديث عن إكمال تجارب ناجحة بعون تقني مضاف، ربما تكون الصين وروسيا قد بادرتا إليه.

إضافة لما بات معلومًا من تقارير المخابرات الأمريكية ووسائل إعلام "واشنطن" الكبرى، وتواتر نشر معلومات عن إحداثيات وصور أقمار صناعية دقيقة قيل إن بكين وموسكو زودتا بها إيران، وساعدتاها على زيادة مدى صواريخها وسرعاتها ومضاعفة دقتها في إصابة الأهداف، إضافة لتحسين وسائل الدفاع الجوي الإيرانية، وعلى نحو ما اعترف به الأمريكيون أخيرًا، وأقروا بنجاح إيران في إسقاط وتدمير 81 طائرة أمريكية متنوعة، سواء في الجو، أو على أرض القواعد الأمريكية بالمنطقة. وقد لا يعترف الصينيون والروس بشيء من عونهم التقني لإيران، لكن مصلحة بكين وموسكو ظاهرة في إغراق "ترامب" واستنزاف قواته بالمستنقع الإيراني.

وقد لا تحتاج لأن تكون خبيرًا عسكريًا أو استراتيجيا من إياهم، حتى تدرك أو تتخيل صورة الهجوم الأمريكي "الإسرائيلي" المقبل، وهدفه تدمير كل شيء في إيران، واستعادة تكتيك الاغتيالات الجماعية لقادة النظام الإيراني، واستهداف كل البنية التحتية الإيرانية من محطات الطاقة والكهرباء إلى محطات تحلية المياه، وقصف الجسور وخطوط السكك الحديدية في البلد المترامية الأطراف، وعلى نحو يقارب جعجعات "ترامب" المتكررة عن محو إيران، وبهدف معلن صراحة هذه المرة، هو إسقاط النظام الإيراني، وتفكيك الدولة الإيرانية ذاتها، وتقديم غطاء جوي مكثف لغزو إيران بريًا، ومحاولة احتلال جزيرة "خارك" الإيرانية، وربما موقع "جبل الفأس" بإنزالات "كوماندوز"، ودعم تحرك فصائل كردية انفصالية من غرب وشمال إيران، وفصائل "بلوشية" من الشرق والجنوب.

وقد اعترف الثرثار "ترامب" بتقديم شحنات أسلحة ضخمة لفصائل كردية، وإن اشتكى أن أكرادًا آخرين سرقوها، فيما تبدو المخابرات الإسرائيلية "الموساد" أكثر دراية وترتيبًا للتفاصيل، وتبدو "إسرائيل" أكثر نهمًا لتفكيك إيران ومحوها عن الخرائط، ربما بأكثر من "ترامب" نفسه، الذي يريد سلطة مركزية بديلة في كل إيران، تعاونه على "شفط" موارد البترول والغاز الإيراني، وعلى نحو ما جرى في الحالة "الفنزويلية"، وفي الاتفاق الأمني الاقتصادي مع "الدنمارك"، الذي يُمكّن أمريكا وحدها من التنقيب واحتكار موارد جزيرة "جرينلاند" المعدنية والبترولية والغازية.

النظام الإيراني

والنظام "الإسلامي" الحاكم في إيران يعرف بالبداهة والمتابعة ذلك كله، ويناور على جبهة السياسة وتبادل الرسائل، ويستعد على جبهة السلاح، وما من عاقل يتوقع أن ينجح الهجوم الأمريكي "الإسرائيلي" المعد له في إنجاز أهدافه، تمامًا كما لم ينجح في حملة حرب الأربعين يومًا، أو ما يسميه الإيرانيون "حرب رمضان"، وقد أبدت فيها إيران صمودًا عسكريًا مذهلًا، رغم وقع مفاجأة اغتيال المرشد الروحي "علي خامنئي" وعشرات من القادة العسكريين الكبار في أول ساعات الحرب. ومع هول الصدمة، نجح النظام الإيراني في تبديل قادته السياسيين والعسكريين بسرعة لافتة، وجرى انتخاب المرشد الجديد "مجتبى خامنئي" الأكثر شبابًا وتشددًا وجرأة.

وتوالت ضربات الرد الإيراني الصاروخي على قواعد أمريكا وكيان الاحتلال "الإسرائيلي"، وإلى أن جرى التوصل إلى "مذكرة تفاهم" أمريكية إيرانية بوساطة "إسلام آباد"، عاد "ترامب" لنقضها، وشن ضربات متقطعة، وصلت إلى ذروتها في "حرب الأسبوعين" على موانئ الجنوب الإيراني وفي "مضيق هرمز"، وإعادة فرض الحصار البحري الأمريكي، واستكماله بفرض حظر جوي على شركات الطيران الإيرانية، ومواصلة خطة الخنق والنبذ الاقتصادي لإيران، ومن دون أن تبدي "طهران" تراجعًا، سواء في شروط فتح "مضيق هرمز" طبقًا لمذكرة التفاهم (أي وقف الحرب ورفع الحصار وإنهاء عقوبات وقيود على تصدير بترول إيران وفك تجميد أرصدتها المجمدة)، أو في الموقف من برنامجها النووي، الذي عاد إليه "ترامب" على نحو مكثف في الأسابيع الأخيرة وطالب بتفكيكه كليًا.

وقد لا تمانع إيران في إجراء مفاوضات جديدة حول برنامجها النووي، وإن كانت راغبة في ترحيل المفاوضات النووية، وهي ترفض قطعيًا تفكيك منشآتها النووية، التي أصيبت بأضرار في ضربات أمريكية سابقة، لكنها ـ على ما يبدو ـ لم تتوقف عن العمل نهائيًا، وجرى نقل كمية 450 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق الستين بالمئة إلى مكان مجهول، يعتقد الأمريكيون و"الإسرائيليون" أنه في باطن "جبل الفأس" الجرانيتي الصخور، بينما تصمم إيران على حقها المبدئي في تخصيب اليورانيوم لأغراض برنامجها السلمي، وتذويب ومعالجة يورانيوم التخصيب العالي على أراضيها، وتمانع في نقله إلى خارج البلاد. وقد تبدي تجاوبًا محسوبًا فيما بعد مع دور روسي، ونقل يورانيوم التخصيب العالي إلى روسيا أو إلى الصين، وعلى نحو ما أوحت به اتصالات الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" مع الرئيس الأمريكي، وسبقها لقاء "بوتين" مع الرئيس الإيراني "مسعود بزشكيان" على هامش قمة رابطة الدول المستقلة، وقيل إن "بوتين" نقل وجهات النظر النووية الإيرانية إلى "ترامب"، وهو ما نُظر إليه كمحاولة إيرانية لكسب مزيد من وقت الاستعداد لمواجهة الضربة الأمريكية "الإسرائيلية" المقبلة.

وقد اضطر "نتنياهو" مؤخرًا للنزول عند رغبة "ترامب" وحسابات توقيته، وأعلن أنه لا ضربة لإيران قبل الانتخابات "الإسرائيلية"، فيما حذرت دوائر "إسرائيلية" من احتمالات قيام إيران بضرب أهداف "إسرائيلية" صبيحة يوم الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر الجاري، وهو احتمال قد لا يحدث غالباً، وإن كان كل شيء واردًا. وقد جرى نشر آلاف الجنود والخبراء الأمريكيين داخل الكيان "الإسرائيلي"، ودعم القوات الأمريكية داخل الكيان بأنظمة دفاع جوي متقدمة؛ فالحرب مقبلة مهما تأجلت مواعيدها، وكل الأطراف تدرك أن هدف العدو الأمريكي "الإسرائيلي" أبعد من تفكيك المشروع النووي الإيراني، وأن الهدف المباشر صار اغتيال وإسقاط النظام الإيراني في الحد الأدنى، وصولاً إلى تفكيك إيران كدولة ودور إقليمي، وهو ما تواجهه إيران بخطتها الموروثة عن الراحل المغتال "علي خامنئي"، وقوامها زيادة تكلفة الحرب، وتوسيعها في الجغرافيا وإطالتها في الزمن، وهو ما تعتمد فيه إيران على أدوار حلفائها، وعلى نحو ما تفعله جماعة أنصار الله "الحوثيين" في اليمن وجواره منذ أسابيع طويلة.

والخلاصة، أن ساعة الحرب الأوسع تدق في عد تنازلي مرئي، وأن هدف إسقاط النظام الإيراني هو العنوان المباشر للهجمة الجديدة، وهو ما لن يتحقق غالباً، فقد سقطت كل الأقنعة، وبات اللعب على المكشوف وإلى آخر طلقة نيران، ودعونا ننتظر المكتوب في ألواح الحرب المحفوظة بتفاصيلها ونهاياتها، مع إدراك أن إيران صارت اليوم في وضع أقوى قياسًا لما كانت عليه أحوالها عند بدء الصدام الأخير قبل نحو ثمانية شهور، ولديها مخزون صاروخي أكثر تطورًا وفاعلية، وحالة التفاف شعبي دفاعًا عن العلم والوطن الإيراني، إضافة لتراكم فريد من خبرة مقارعة عدو أوفر سلاحًا وأعلى تكنولوجيا بما لا يُقاس، لكنه لا ينتصر أبدًا في الحروب غير المتناظرة.

[email protected]

تم نسخ الرابط