لم أذهب إلى عيادتي صباح أحد الأيام الماضية عبر شارع جامعة الدول العربية، بل عبر حفرة مفتوحة بطول الشارع. المشهد الذي وثقته الصور: خندق بعمق متر، بلا حواجز، بلا لافتة مشروع، بلا ممر آمن. كطبيب نفسي، لم أر في هذا المشهد مشروع تطوير متعثر، بل رأيت تجربة ضغط نفسي جماعي تُجرى على سكان حي كامل بلا تواصل مسبق أو موافقة مستنيرة.
التطوير والصحة النفسية
كتبت عن هذا المشهد في مجموعة سكان المهندسين، وسألت سؤالًا بسيطًا: هل على سكان المهندسين أن يكرهوا المهندسين لكي يتم تطويرها؟ في أقل من 24 ساعة، تفاعل أكثر من 200 شخص و110 تعليقات. لم يعترض أحد على مبدأ التطوير، لكن الغالبية العظمى من التعليقات أجمعت على تعبير واحد تكرر بالنص: «عايزين يطفشونا من المنطقة».
هذا التعبير ليس مجرد شكوى، هو ما نسميه في الطب النفسي فقدان الارتباط بالمكان (Place Attachment Disruption). الإنسان لا يسكن جدرانًا فقط، يسكن شبكة من المعاني والذكريات والمسارات الآمنة. عندما تستيقظ لتجد مسارك اليومي قد اختفى بلا إخطار، فأنت لا تفقد طريقًا، أنت تفقد إحساسك بالسيطرة والقدرة على التنبؤ، وهما ركيزتا الصحة النفسية.
ما يحدث في المهندسين ليس حالة معزولة. دراسة صادرة عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة بعنوان «الإخلاءات التفاوضية والعنف في إعادة تعمير القاهرة الكبرى» تصف هذا النمط بدقة. تقول الدراسة إن سياسات «إعادة البناء» التي تستخدم مقاربات اقتصادية وأمنية بحتة، وتستخدم التفاوض كأداة لإخلاء المناطق دون مراعاة احتياجات السكان، تنتهي بإعادة إنتاج أشكال من العنف السياسي والاقتصادي والاجتماعي ضد نفس الطبقات المستبعدة من خطط المستقبل. السكان لا يعانون فقط من العنف المباشر، بل يتحملون عبء الاندماج القسري في ظروف جديدة، وتسجيل أطفالهم في مدارس جديدة، والبحث عن عمل جديد.
قد يبدو مصطلح «العنف» كبيرًا على حفر في شارع، لكن في أدبيات الصحة النفسية، العنف البنيوي يبدأ عندما يتم تجاهل الإنسان كعنصر في المعادلة. عندما لا تضع لافتة تقول «المشروع سينتهي في 30 يومًا»، فأنت تضع السكان في حالة قلق ترقبي مفتوح. وهذا ما أشار إليه أحد المعلقين بذكاء: «كان زمان فيه يافطة يتكتب عليها اسم المشروع ومين الشركة والمدة الزمنية».
الأدبيات العالمية تساعدنا على فهم الأثر. دراسات فريق سامير قوطة وريجا-لينا بوناماكي وإياد السراج عن آثار هدم المنازل والتعرض للعنف البيئي على الأطفال في غزة، أظهرت ارتفاعًا واضحًا في الأعراض النفسية والقلق والاكتئاب واضطرابات النوم والتركيز لدى من فقدوا بيوتهم أو شهدوا تدمير بيئتهم الآمنة، مقارنة بالمجموعات غير المتضررة. نحن بالطبع لا نساوي بين السياقين، لكن المبدأ النفسي واحد: تدمير البيئة الآمنة للطفل، حتى لو كان الشارع وليس المنزل، هو تهديد مباشر لشعوره بالأمان.
وتشير تقديرات مدعومة من البنك الدولي، وتقارير مركز رصد النزوح الداخلي (IDMC)، إلى أن حوالي 10 ملايين شخص سنويًا يتم تهجيرهم قسرًا حول العالم بسبب مشاريع البنية التحتية. التجربة تكون سلبية للغاية على كبار السن والنساء والأطفال، وتشمل فقدان الأصول والبطالة وتفكك الروابط الاجتماعية. ما نراه في المهندسين هو شكل ناعم من هذا التهجير: لا أحد يطلب منك الرحيل بقرار، لكن الحياة اليومية تصبح صعبة لدرجة أن الرحيل يبدو حلًا.
من هم الأكثر تضررًا نفسيًا؟ من خلال التعليقات، هم ثلاث فئات:
* كبار السن: الذين فقدوا قدرتهم على عبور الشارع بأمان. الاعتمادية القسرية تزيد من الاكتئاب.
* الأمهات: اللواتي يضطررن لحمل عربات الأطفال فوق الردم.
* السكان القدامى: الذين يعيشون ما نسميه «حزن المكان» — الحزن على حي كان هادئًا وجميلًا وتحول إلى موقع إنشائي دائم بلا نهاية واضحة.
التطوير الحقيقي في الطب النفسي الوقائي له قواعد بسيطة، وهي نفسها قواعد إدارة المشاريع المحترمة: الإخطار المسبق، المسار البديل الآمن، الجدول الزمني المعلن، ووجود جهة يمكن الرجوع إليها. هذه ليست رفاهيات، هذه عوامل حماية نفسية تمنع تحول الضغط اليومي إلى عجز مكتسب.
لذلك، مطلبي كطبيب وكأحد سكان هذه المنطقة ليس وقف التطوير، بل تطوير يحترم الصحة النفسية للسكان. أربع خطوات واضحة: لافتة بالموقع توضح اسم المشروع والجهة المنفذة والمدة المتوقعة، ممرات آمنة للمشاة، جدول زمني معلن، ورقم شكاوى فعال يعمل.
المدينة لا تُبنى بالأسفلت فقط، بل بالشعور بالأمان. وإذا كان التطوير يجعل الناس تكره بيوتها، فعلينا أن نسأل: هل نطور المدينة من أجل سكانها، أم نطورها ليغادرها سكانها؟




