أسهم مالية منخفضة القيمة
الإيجار التمويلي.. الحل السحري لأزمة الـ3.5 مليون وحدة سكنية بالسوق العقاري
تعد أزمة الإسكان واحدة من أكثر التحديات الاقتصادية والاجتماعية تعقيدا التي تواجه مصر، والتي ظهرت وتفاقمت بسبب التداخل بين النمو السكاني المتسارع والمتغيرات الاقتصادية العالمية.
وتتمثل أزمة الإسكان في الفجوة بين العرض والطلب، حيث يحتاج السوق المصري، إلى حوالي 3.5 مليون وحدة سكنية لاستيعاب الزيادة السكانية والشباب المقبلين على الزواج، كما يتركز جزء كبير من المعروض العقاري في فئات الإسكان الفاخر أو فوق المتوسط، مع تجاهل أصحاب الدخول المنخفضة.
وأبرز التحديات التي يشهدها ملف الإسكان هي ارتفاع تكلفة مواد البناء، بعدما أدى التضخم العالمي وارتفاع أسعار المواد الخام مثل الحديد والأسمنت، إلى زيادة تكلفة الإنشاءات بنسبة تتراوح بين 10% و15%، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الوحدات السكنية.
ورغم وجود مبادرات التمويل العقاري، إلا أن الفئات الأكثر احتياجا مثل محدودي الدخل والعمالة غير المنتظمة تواجه صعوبات في الالتزام بالشروط البنكية الصارمة.
وقدمت النائبة الدكتورة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، اقتراح برغبة، وجهت إلى الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، والمهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان، والدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، والدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، حول تبني نموذج الإسكان الاجتماعي التعاوني بنظام الإيجار التمويلي لتعظيم الاستفادة من الثروة العقارية غير المستغلة وتحقيق استدامة سوق الإيجار في مصر.
وقالت النائبة مها عبد الناصر إن قطاع الإسكان في مصر يشهد تحديات بنيوية ممتدة، حيث كشفت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وتقارير وزارة الإسكان حتى عام 2025، من استمرار وجود فجوة سكنية تقدر بما يتراوح بين 2.5 إلى 3.5 مليون وحدة سكنية، مع ارتفاع متزايد في الطلب على وحدات الإيجار منخفضة التكلفة باعتبارها الخيار الرئيسي لشرائح واسعة من محدودي ومتوسطي الدخل.
ولفتت عضو مجلس النواب إلى وجود مخزون عقاري غير مستغل أو مغلق أو ضعيف التشغيل الاقتصادي يقدر بملايين الوحدات داخل المدن القديمة والجديدة على حد سواء، وهو يعكس اختلالًا هيكليًا في كفاءة إدارة الموارد العقارية المتاحة، بالإضافة إلى كونه نقصًا مطلقًا في المعروض السكني.
وأكدت أن السياسات التقليدية المعتمدة على التوسع الرأسي والأفقي في البناء الجديد، لا تكفي وحدها لمواكبة الطلب المتنامي، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الإنشاء، وضغوط التمويل العام، وتغير طبيعة الطلب السكاني، الأمر الذي يفرض ضرورة تبني أدوات مبتكرة لإعادة توظيف الثروة العقارية القائمة وتحويلها من أصول غير مستغلة إلى أدوات إنتاج اجتماعي واقتصادي مستدام.
أزمة الإسكان
وأوضحت أن التجارب الدولية الحديثة أكدت أن العديد من الدول التي واجهت أزمات سكن مشابهة لم تعتمد فقط على التوسع في البناء، ولكنها اتجهت لتطبيق نماذج مبتكرة للإسكان التعاوني والإيجار الاجتماعي وإدارة الأصول العقارية غير المستغلة، كما أن هناك العديد من التجارب الأوروبية التي تعكس حقيقة مهمة، وهي أن نجاح سياسات الإسكان لا يرتبط فقط بزيادة العرض، ولكن بوجود نماذج حوكمة مبتكرة لإدارة الأصول السكنية، وإدماج البعد التعاوني والاجتماعي في السوق العقاري، بما يضمن استدامة التوازن بين العرض والطلب.
وشددت "عبد الناصر" على ضرورة تبني الحكومة لنموذج “الإسكان الاجتماعي التعاوني بنظام الإيجار التمويلي” في مصر، والذي يعتمد على إنشاء كيانات تعاونية واستثمارية منظمة قانونًا، تسمح بمشاركة المواطنين في الاستثمار العقاري الاجتماعي من خلال أسهم مالية منخفضة القيمة، لتحويل المدخرات الفردية الصغيرة إلى أداة تمويل جماعي مستدام للإسكان الاجتماعي، وفي الوقت نفسه يحقق عائدًا اجتماعيًا يتمثل في توفير وحدات إيجارية مستقرة للفئات الأكثر احتياجًا.
وأشارت إلى أن ذلك النموذج يقوم على إعادة توظيف جزء من المخزون العقاري غير المستغل، سواء في المدن الجديدة أو المناطق الحضرية القائمة، من خلال شرائه أو إدارته عبر هذه الكيانات التعاونية، ثم إعادة تأجيره بنظام إيجار اجتماعي منظم يخضع لضوابط استحقاق دقيقة يتم تحديدها بالتنسيق مع وزارة التضامن الاجتماعي، بما يضمن توجيه الدعم للفئات المستهدفة بشكل عادل وفعال.
كما يساهم ذلك النموذج في خلق آلية تمويل بديلة عن التمويل الحكومي المباشر، من خلال الاعتماد على الاستثمار التعاوني، بما يخفف العبء على الموازنة العامة، ويعزز في الوقت ذاته من كفاءة إدارة الأصول العقارية غير المستغلة، والتي تمثل في حد ذاتها طاقة اقتصادية غير مفعلة.
وأوضحت عضو مجلس النواب أنه من الناحية الاقتصادية، يساعد ذلك النموذج على تحويل القطاع العقاري من قطاع يعتمد على التوسع الرأسمالي في البناء الجديد إلى قطاع يعتمد على تحسين كفاءة استخدام الموجود بالفعل، وهو ما يرفع من كفاءة تخصيص الموارد، ويقلل من الهدر في الأصول العقارية المغلقة أو غير المستغلة، ويخلق سوقًا إيجارية أكثر استقرارًا وانضباطًا.
ويساعد أيضا على دمج صغار المدخرين في منظومة الاستثمار العقاري، لتحويل الادخار الفردي من صورة جامدة إلى أداة إنتاج اجتماعي، ويحد من تآكل القيمة الشرائية للمدخرات في ظل معدلات التضخم، ويخلق في الوقت نفسه علاقة مباشرة بين الاستثمار والعائد الاجتماعي.
كما يحقق هذا النموذج كذلك بُعدًا اجتماعيًا بالغ الأهمية يتمثل في توفير وحدات سكنية مستقرة للفئات الأكثر احتياجًا دون تحميلها أعباء تملك مرتفعة، مع ضمان استمرارية الخدمة وجودتها من خلال كيانات إدارة محترفة تعتمد على مبادئ الحوكمة والشفافية.
ودعت النائبة إلى وضع إطار تشريعي وتنظيمي متكامل يسمح بإنشاء الجمعيات الاستثمارية التعاونية في مجال الإسكان، ويحدد قواعد الرقابة المالية والإدارية عليها من خلال الهيئة العامة للرقابة المالية، إلى جانب وضع معايير واضحة لتحديد المستحقين، وآليات تسعير عادلة للإيجارات، وضوابط لإدارة الأصول العقارية المملوكة لهذه الكيانات.
وقالت عضو مجلس النواب إنه يمكن البدء بتطبيق تجريبي لهذا النموذج في عدد من المحافظات ذات الكثافة السكانية المرتفعة أو التي تعاني من فجوة واضحة في سوق الإيجار، على أن يتم تقييم التجربة خلال فترة زمنية محددة تمهيدًا للتوسع التدريجي على مستوى الجمهورية.
وطالبت مها عبد الناصر الحكومة باتخاذ ما يلزم نحو بحث إمكانية تطبيقه أو إعداد دراسة تنفيذية تفصيلية لذلك النظام بالتنسيق بين الوزارات والجهات المعنية، بما يسهم في تطوير سياسات الإسكان في مصر، وتعظيم الاستفادة من الثروة العقارية القائمة، وتحقيق قدر أعلى من العدالة والكفاءة والاستدامة في سوق الإسكان.








