الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران هي حرب انشطارية متعددة الرؤوس، ليست مجرد مواجهة عسكرية مباشرة، بل هي ساحة لتصفية حسابات دولية كبرى، الضحية فيها هي منطقة الشرق الأوسط ومقدراتها وشعوبها في أرزاقهم وحياتهم، وضياع الحق الأصيل للمنطقة وهي القضية الفلسطينية، التي غاب عنها الزخم السياسي والإعلامي بسبب الحرب على إيران، فيما تواصل إسرائيل سياسة الإبادة والتهجير القسري في قطاع غزة والضفة الغربية، وتحرم الشعب الفلسطيني من الصلاة بالمسجد الأقصى وكنيسة القيامة، بل ويصدق الكنيست على قانو يقضي بإعدام الأسرى الفلسطينيين البالغ عددهم أكثر من 10 آلاف فلسطيني.
أولى الرؤوس الانشطارية صراع النفوذ بين أوروبا وأمريكا على المنطقة، وتصفية الحسابات مع روسيا، أوروبا بقيادة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، تسعى لإيجاد قدم لها في المنطقة، وعدم ترك ساحة الشرق الأوسط، خاصة الخليج لأمريكا، ولكن أوروبا لا تريد توريط نفسها في حرب لا ناقة لها فيها، وهي ترى أنها حرب أمريكية إسرائيلية لإرضاء الغرور الترامبي، ورغبة واشنطن في احتلال مقدرات المنطقة، وفقا لخطة «ترامب» بوضع يد بلاده على نفط العالم، واحتلال الممرات المائية للسيطرة على سلاسل الإمداد.
تسعى باريس لفرض حضور أوروبي ودولي مستقل عن أمريكا، يهدف للتهدئة وضمان تدفق النفط بعيداً عن التصعيد العسكري، كما تقود فرنسا تحركات لإنشاء تحالف دولي لإعادة فتح مضيق هرمز، وفي ذات الاتجاه، عقد رئيس أركان الجيش الفرنسي (6 مارس 2026) اجتماعا عبر "الفيديو" مع ممثلي 35 دولة من مختلف القارات، لاستطلاع آرائهم ومقترحاتهم لتنظيم المهمة التي تركز على حماية السفن التجارية وناقلات النفط، وتطهير الألغام، دون المشاركة في الهجوم على إيران.
ولكن فرنسا تشترط لتنفيذ المهمة: انخفاض حدة العمليات القتالية، التنسيق مع شركات الشحن والتأمين الدولية، الحصول على موافقة من الأمم المتحدة، أو موافقة الأطراف الإقليمية لعدم اعتبار المهمة عملا عدوانيا، وهناك تنسيق مع الإمارات والبحرين والسعودية بذلك الخصوص، أوروبا أيضاً تسعى لتصفية حساباتها مع روسيا، وإلحاق الهزيمة بها، ردا على الحرب الأوكرانية، ورفض موسكو بيع النفط والغاز لدول أوروبا، عقاباً لها على دعمها لأوكرانيا وإطالة أمد الحرب برفضها لكل أطروحات وقفها.
وفي سياق متصل دخلت أوكرانيا على خط الحرب في الشرق الأوسط، انتقاماً من إيران لمساندتها روسيا بمدها بالصواريخ الباليستية والمسيرات التي احدثت الفارق لصالح روسيا وتستخدمها بكثافة، فقد قامت كييف بتوقيع اتفاقات أمنية مع قطر والسعودية والإمارات للاستفادة من الخبرات الأوكرانية في مجال التصدي للمسيرات، كما دفعت بـ 220 خبير أوكراني للمنطقة.
التقارب الخليجي الأوكراني
أوروبا بقيادة فرنسا تشجع التقارب الخليجي الأوكراني، لتخفيف العبء المالي على الميزانيات الأوروبية المنهكة بفضل الحرب الأوكرانية الروسية، بتمويل الخليج للصناعات الدفاعية الأوكرانية وبناء منظومة أمنية تعتمد على تكنولوجيا متنوعة بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، وإرسال رسالة لروسيا وإيران مفادها "ننقل خبراتنا لحدودكم، بعد حربكم ضدنا"، ولا يفوتنا أن اوروبا تتمنى هزيمة أمريكا، لإدراكها أن واشنطن تسعى لتقسيمها مع روسيا، كما قالت قيادات بالاتحاد الأوروبي.
وخلاصة الموقف الأوروبي كما جاءت بتصريحات رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، "الحرب في منطقة الشرق الأوسط ليست حربنا ولن ننجر إلى هذا النزاع"، "سنبحث جميع الإجراءات التي تضمن حرية الملاحة وسلامة السفن في منطقة الشرق الأوسط وتجعل مضيق هرمز آمنا"، "نحن بحاجة لتشكيل جبهة موحدة لدمج الأنشطة السياسية والجهد العسكري لتكون جاهزة للتحرك فور وقف العدوان، ولقد تواصلنا مع 35 دولة لعقد اجتماع من أجل فتح مضيق هرمز".
الرأس الانشطارية الثانية: هي الصراع على النظام العالمي الجديد بين روسيا والصين من جهة، وأمريكا من جهة أخرى، الصين تدرك جيداً المحاولات الأمريكية للسيطرة على النفط والغاز والمعادن في كل مناطق العالم، والتحكم في خطوط الملاحة العالمية، للحد من النفوذ الاقتصادي الصيني، وإخضاعه للإدارة الأمريكية، وإفشال مشروع خط الحرير الصيني الموازي للمشروع الأمريكي "طريق التنمية"، وهما ليسا مجرد طرق تجارة، بل أوردة حياة لمن يكسب هذه الحرب.
كما تسعى واشنطن للضغط على الحدود الروسية بالاقتراب منها عن طريق إيران مع ترك الحد الأوكراني فخاً تقع فيه أوروبا، وترغب أمريكا في التحكم بالمنطقة لحصار الصيني اقتصاديا، خاصةً إذا علمنا أن 54% من موارد الطاقة والمعادن الصينية تعتمد على دول الشرق الأوسط، وفي المقابل تسعى بكين وموسكو لإضعاف الولايات المتحدة، وإحراجها عالمياً لتخرج من الحرب دون انتصار أو هزيمة لكسر هيبتها وهيمنتها، لفرض نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب تكون روسيا والصين وإيران جزءً أساسياً منه، إلى جانب أمريكا.
كما تخوض موسكو وبكين وإيران "حرب العملات" لكسر هيمنة الدولار من خلال تسعير الطاقة، ورسوم المرور بمضيق هرمز بعملات بديلة، هذا الرأس الانشطاري هو ما يجعل أمريكا تستميت في السيطرة على الممرات المائية لإبقاء "البترودولار" هو القائد.
ولايفوتنا هنا، أن فرنسا تلعب دور "الوسيط المسلح" (حماية الملاحة دون هجوم)، مما جعل بعض الدول الخليجية تثق فيها أكثر من واشنطن حالياً، كما أن تلك الحرب هي "مختبر عالمي" لأحدث تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي والمسيرات الانتحارية، مما يسحب البساط من تحت تفوق الأساطيل التقليدية الضخمة، وهذا ما يفسر قلق الصين وأمريكا معاً.
أما الرأس الانشطارية الثالثة فهي الصراع الديني الوجودي بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران والمقاومة وغالبية شعوب منطقة الشرق الأوسط من جهة أخرى، ترامب ونتنياهو، يخوضان تلك المعركة بعقيدة الصهيونية المسيحية، التي ترى في استقرار إسرائيل وتفوقها نبوءة لا بد من تحقيقها، بتمكينها من تحقيق الرواية التوراتية التي تنص على أن أرض ما بين النهرين (من الفرات لنهر النيل) وأصفهان حيث سيظهر الشياح (أي المسيح الدجال) هي وعد الله للنبي إبراهيم.
وأيضاً تخدم الحرب تيار "أمريكا أولاً"، والذي يقوده ترامب ونائبه فانس، وهو تيار قومي نفعي، ينظر للعالم كصفقة تجارية، ولا يمانعون التدخل في الشأن العالمي بشرط "الدفع مقابل الحماية"، ولا يميلون للحروب الطويلة، ويميلون للضربات الجراحية الكبرى مثل اغتيال القيادات لاستعادة الهيبة، ويريدون أمريكا مهيمنة اقتصادياً، لكن دون تحمل فواتير دماء الجنود الأمريكيين في حروب الآخرين.
الحلم التوراتي
أما الشرق الأوسط فيجب إدارته بأقل التكاليف عبر وكلاء إقليميين (إسرائيل والدول الحليفة) وإعادة صياغة النظام العالمي ليكون في خدمة الدولار والمنتج الأمريكي، لذلك يرى التيار أن العدو الوحيد الذي يستحق إنفاق الجهد هو الصين لأنها تهدد الاقتصاد الأمريكي.
أما إيران والمقاومة فهم يخوضون معركة دفاعاً عن المنطقة التي تريد الصهيونية الأمريكية، إخضاعها لإقامة الحلم التوراتي "إسرائيل الكبرى باحتلال كامل فلسطين، وجنوبي سوريا ولبنان، تمهيداً لإقامة إسرائيل العظمى والذي يتضمن تقسيم إيران لخمس دول، مع السيطرة على أصفهان، وغرب العراق وشرق مصر وأجزاء من تركيا".
الصهيونية الأمريكية ترغب في تحطيم إيران تمهيداً للدخول على باكستان ثم تركيا وأخيراً مصر، لذلك فطهران والمقاومة في لبنان والعراق واليمن، تخوض معركة وجود لدولها ودول المنطقة، إيران والمقاومة لا تخوض حرب على النفوذ، بل هي "معركة المستضعفين ضد المستكبرين"، وهي عقيدة تمنح المقاتل قدرة على الصمود والاستماتة، وتجعل من المقاومة أسلوب حياة لا مجرد تكتيك عسكري.
كل يسعى لمصالحه على حساب منطقة الشرق الأوسط، أوروبا تسعى لحماية مصالحها (الملاحة والنفط) دون أن تكون وقوداً للمشروع الأمريكي، وضمان الحصول على حصة من المال الخليجي، فإذا كانت أمريكا تطبق مبدأ "المال مقابل الحماية" فأوروبا تطرح "المال مقابل الأمن"، إن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد سباق تسلح، بل هو انفجار لمجموعة من الأزمات المؤجلة.. فبين مطرقة المصالح الدولية (أمريكا، روسيا، الصين)، وسندان الطموحات الأوروبية، وتصادم الهويات الدينية والوجودية، تظل المنطقة العربية هي أرض المعركة، التي تتفتت فيها الرؤوس الانشطارية، مما يجعل السؤال ماذا سيبقى من الشرق الأوسط بعد خمود النيران؟، وليس "من سينتصر؟"
- إيران
- حرب انشطارية
- إسرائيل
- الشرق الاوسط
- القضية الفلسطينية
- التهجير القسري
- الإبادة
- قطاع غزة
- الضفة الغربية
- المسجد الأقصى
- كنيسة القيامة
- الكنيسة
- إعدام الأسرى
- أمريكا
- اوروبا
- صراع النفوذ
- روسيا
- المانيا
- فرنسا
- بريطانيا
- الخليج
- الغرور الترامبي
- ترامب
- باريس
- مضيق هرمز
- الحرب الأوكرانية الروسية
- الاتحاد الأوروبي
- كير ستارمر
- الصفحة الأولى
- موقع الصفحة الأولى








