قطاع التشريع في وزارة العدل يمثل القلب النابض للسلطة التنفيذية في مصر فهو ليس مجرد إدارة ضمن هيكل الوزارة بل هو الآلية المركزية التي تضطلع بمسؤولية صياغة التشريعات وإعداد القوانين التي تجسد إرادة الدولة وتترجم توجهاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى نصوص قانونية نافذة وقد ظل هذا القطاع منذ نشأته في منتصف القرن الماضي حجر الزاوية في بناء المنظومة القانونية المصرية حيث بدأ عام 1944 بإنشاء مكتب لجان التشريع ليقوم بأعمال السكرتارية الفنية والإدارية للجان ثم تحول عام 1946 إلى إدارة عامة للتشريع لتصبح وزارة العدل المرجع الأساسي في صياغة التشريعات وحفظ وثائقها ومضابط جلساتها ومع قيام ثورة يوليو 1952 أعيد تشكيل اللجان التشريعية وأدخلت تعديلات جذرية على الدستور وقوانين الإصلاح الزراعي والحقوق المدنية والسياسية وتشريعات التأمينات الاجتماعية وقانون السلطة القضائية وإنشاء المحاكم العليا وهو ما عكس الدور الحيوي للإدارة في مواكبة التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى وفي عام 1974 صدر قرار وزير العدل بإضافة اختصاصات جديدة للإدارة العامة للتشريع بما يعكس استجابتها للتحولات الجذرية في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية ثم جاء عام 1994 ليشهد تشكيل اللجنة الاستشارية لدعم الإصلاح التشريعي وفي عام 1997 تم تعديل الهيكل التنظيمي للقطاع باستحداث إدارة لشئون لجان التشريع لتواكب حركة الإصلاح القانوني وتطور البنية التشريعية المصرية
هذا القطاع لم يتوقف عن أداء دوره الحيوي عبر مختلف المراحل فقد ظل يضطلع بمهمة إعداد ومراجعة مشروعات القوانين سواء تلك التي ترد إليه من الحكومة أو التي تنهض بها الإدارة ابتداءً كما يتولى دراسة وصياغة مشروعات القوانين وإبداء الرأي فيما يرد إليه من اقتراحات وملاحظات على مشروعات القوانين المقدمة من الوزارات والهيئات العامة ويختص بتمثيل وزارة العدل أمام مجلس النواب ومناقشة مشروعات القوانين المعروضة عليه وإبداء وجهة النظر القانونية من خلال اللجان التشريعية التي تنعقد بالتنسيق مع رئيس اللجنة كما يتلقى كافة المقترحات الواردة من رئيس الجمهورية وأعضاء المجلس التشريعي والوزارات والهيئات والجهات المعنية بشأن القرارات بقوانين ويشارك في إعداد الاتفاقيات القضائية والدولية ذات الصلة بما يعزز مكانة مصر القانونية على الصعيد الدولي
لقد أثبت الواقع العملي، أن الإدارة العامة للتشريع بوزارة العدل تحملت العبء الأكبر في إعداد ومراجعة مشروعات القوانين، ويلبي متطلبات الإصلاح الإقتصادي والإجتماعي ويزيل القيود التي تعوق التنمية والإستثمار ويكفل وفاء مصر بالتزاماتها الدولية وتعاونها في مواجهة الظواهر السلبية العالمية ويوفر في الوقت ذاته سبل تيسير إجراءات التقاضي وتحقيق العدالة الناجزة وفاءً بالتزام الدولة الدستوري
إن قطاع التشريع بوزارة العدل ليس مجرد جهاز إداري بل هو العقل القانوني للدولة المصرية الذي يوازن بين السياسة التشريعية والأثر المجتمعي لها وبين ما يفرضه القانون من التزامات وما يحميه من حقوق وهو بذلك يواكب حركة التغيير في المجتمع المصري بمختلف المجالات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية ويسد الثغرات التشريعية، ومواجهة القضايا المستجدة ويضمن نجاح برامج الإصلاح والتطور والتنمية ومع إستمرار دوره الحيوي في بناء الجمهورية الجديدة يبقى التحدي الأكبر هو إعادة القيادة المستقلة المتفرغة لهذا القطاع ليواصل مسيرته التاريخية في خدمة العدالة وصياغة التشريعات التي ترسم ملامح المستقبل القانوني لمصر.
ففي المرحلة الأخيرة التي أعقبت رحيل مساعد وزير العدل لشئون التشريع قبل خمسة أشهر وجد هذا القطاع الحيوي نفسه مسندًا إلى مساعد أول وزير العدل دون أن يُكلف بقيادة مستقلة رغم أنه يمثل القلب القانوني للدولة وأحد أهم أدواتها في صياغة التشريعات هذا الوضع المؤقت يثير تساؤلات ملحة حول توقيت تعيين مساعد وزير جديد يتفرغ لإدارة القطاع في هذه المرحلة الدقيقة خصوصًا مع ما شهدتها بعض القوانين من تعثرات كان يمكن تفاديها بوجود قيادة متخصصة ومتابعة دقيقة.
قانون الاحوال الشخصية
واليوم يقف القطاع أمام استحقاقات تشريعية بالغة الأهمية في مقدمتها مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي يمس الأسرة المصرية في صميم حياتها اليومية ومشروع قانون المحليات الذي يعد ركيزة أساسية لتفعيل اللامركزية وتعزيز المشاركة الشعبية في إدارة الشأن المحلي إلى جانب مشروعات قوانين أخرى تمس المجتمع والإقتصاد والإستثمار وهذه الملفات تحتاج إلى إدارة متفرغة ذات رؤية قانونية وسياسية متكاملة قادرة على التنسيق بين مؤسسات الدولة المختلفة وضمان أن تأتي النصوص التشريعية متسقة مع الدستور ومحققة لمقتضيات العدالة الناجزة والتنمية المستدامة
إن استمرار إسناد هذا القطاع المهم إلى مساعد أول وزير العدل دون قيادة متخصصة يضع عبئًا إضافيًا على الوزارة ويؤخر إنجاز التشريعات المنتظرة وهو ما يجعل تعيين مساعد وزير للتشريع ضرورة وطنية عاجلة حتى لا تتكرر الثغرات التي ظهرت في بعض القوانين السابقة وليكون القطاع مستعدًا لمواجهة التحديات المقبلة وصياغة تشريعات تواكب الجمهورية الجديدة وتلبي تطلعات المجتمع المصري.








