و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

هناك أشياء لا يعرف الإنسان قيمتها إلا عندما يقف عاجزا أمام ألم شخص يحبه، ولا يملك له سوى الدعاء، وهناك لحظات لا تحتاج فيها الأسرة إلى كثير من الكلام، ولا إلى وعود، ولا إلى انتظار طويل، وإنما تحتاج فقط إلى سيارة إسعاف تصل في الوقت المناسب، ففي لحظة المرض المفاجئ أو الحادث أو الخطر، لا تكون المسألة مجرد خدمة طبية، وإنما تصبح الدقائق الفاصلة بين وصول الإسعاف وتأخره مسألة حياة أو موت، ويصبح صوت سيارة الإسعاف في تلك اللحظة هو صوت الأمل الوحيد الذي تتمسك به أسرة تخشى أن تفقد أحد أحبائها.

في القرى والمناطق البعيدة بصعيد مصر، عاش أهالينا لسنوات طويلة معاناة يعرفها جيدا كل من اضطر في لحظة حرجة إلى البحث عن وسيلة لإنقاذ مريض أو مصاب، كان يكفي أن يمرض طفل في منتصف الليل، أو يسقط رجل أمام أسرته، أو تتعرض سيدة لأزمة صحية مفاجئة، حتى تبدأ رحلة من القلق والخوف والبحث عن وسيلة تنقل المريض إلى أقرب مكان لتلقي الرعاية، وفي تلك اللحظات كانت الدقائق تبدو كأنها ساعات، وكان الطريق إلى المستشفى يبدو أطول كثيرا من المسافة الحقيقية، لأن المريض لا يحتمل الانتظار، والأسرة لا تحتمل رؤية شخص تحبه يتألم أمامها وهي عاجزة عن إنقاذه.

ولعل أقسى ما يمكن أن يعيشه الإنسان أن يرى أمامه شخصا يحتضر، بينما لا يملك له شيئا سوى الدعاء. هذه الصورة ظلت دائما حاضرة في ذهني، ولذلك عندما جاءت أيام جائحة كورونا بما حملته من خوف وقلق وفقدان، لم أستطع أن أفكر في نفسي فقط، كان الموت قريبا من الجميع، وكانت الأسر تخشى على آبائها وأمهاتها وأطفالها، وكان سؤال واحد يفرض نفسه بقسوة: ماذا لو احتاج أحدنا إلى الإسعاف الآن؟، من هنا بدأت الحكاية، ومن هنا جاءت فكرة السعي إلى إنشاء نقطة إسعاف في مركز طما، ولم تكن بالنسبة لي مشروعا أبحث عن نسبته إلى نفسي، أو إنجازا أنتظر عليه تكريما، وإنما كانت أمنية إنسانية بسيطة، أن يكون هناك مكان تنطلق منه سيارة لإنقاذ إنسان في اللحظة التي قد يتوقف فيها كل شيء.
كنت أقول لنفسي في ذلك الوقت إنني إذا استطعت أن أساهم في إنشاء نقطة إسعاف تخدم أهلي وناسي، فقد تكون هذه صدقة جارية، يظل أثرها قائما حتى بعد أن تنتهي كورونا، وحتى بعد أن تنتهي قصتي أنا معها، لم أكن أعرف وقتها كيف ستنتهي الفكرة، ولا إلى أين ستصل، لكنني كنت مؤمنا بأن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه هو عمل ينتفع به الناس، وأن إنقاذ حياة إنسان لا يحتاج إلى أن يعرف أحد اسم من ساهم في إنقاذه.

أثرٌ لا يُنسى

واليوم، وبعد سنوات، كلما مررت أمام نقطة الإسعاف في الحما، أشعر أن الله استجاب لهذه الأمنية بطريقة أكبر بكثير مما تخيلت، فالمكان الذي بدأ بفكرة صغيرة خرجت من قلب الخوف في أيام كورونا أصبح اليوم منفذا مهمًا للإنقاذ والحماية لأهالي المنطقة، وأصبح وجوده بالنسبة للكثيرين ليس مجرد خدمة إضافية، وإنما ضرورة حقيقية، وملاذا يلجأ إليه الناس عندما تضيق بهم اللحظة ويصبح الوقت أثمن من كل شيء.

وخلف هذا المكان قصة طويلة من التعب والجهد لم يصنعها شخص واحد، وإنما شارك فيها رجال آمنوا بأن خدمة الناس مسؤولية، وأن القرى البسيطة تستحق أن تحصل على حقها في الرعاية والحماية، وكان للأستاذ جلال الشيخ خليل فضل كبير في طرح الفكرة، ثم جاء الحاج محمود الساكت ليحملها على أرض الواقع، ويبذل جهدًا حقيقيا حتى خرجت من دائرة الكلام والأمنيات إلى التنفيذ، وسط مساندة الأهالي الذين أدركوا أن وجود الإسعاف ليس رفاهية، وإنما حق يتعلق بأرواح الناس وسلامة الأسر.

ثم جاء دور الدولة، وتم تخصيص المكان المناسب، لتصبح نقطة الإسعاف مع مرور الوقت واحدة من أبرز معالم الخدمة في المنطقة، بعد سنوات من المعاناة ونقص الخدمات، وهنا لا بد أن أتذكر بكل تقدير الدكتور هاني جمعية، وكيل وزارة الصحة في ذلك الوقت، الذي لم يتردد عندما طرحت عليه الأمر، ولم يتعامل مع الطلب باعتباره مجرد مطلب عابر، وإنما أدرك أهمية الفكرة وحاجة الناس إليها، واستجاب لطلبي باستضافة الإسعاف في إحدى المراكز الصحية، وكان لموقفه وتقديره الإنساني دور مهم في أن تبدأ الفكرة خطواتها الأولى نحو الواقع.

لكن هناك اسما أخصه بالذكر، لأنه بالنسبة لي يجسد معنى آخر للمسؤولية، هو الدكتور هاني فؤاد، ذلك الطبيب المتميز الذي أراه واحدا من أشطر وأكفأ أطباء طب الأطفال في صعيد مصر، والذي لم تتوقف مسيرته عند التميز الطبي، وإنما امتدت إلى مسؤولية واحدة من أصعب وأدق المسؤوليات، وهي قيادة قطاع الإسعاف في الصعيد.

عرفت الدكتور هاني فؤاد، فوجدت أمامي نموذجا مختلفا للمسؤول، وجدته متواضعا، رفيع الخلق، هادئا في تعامله، لا يتحدث كثيرا عن نفسه، ولا يبحث عن الأضواء، وإنما يترك عمله يتحدث عنه، وهناك فارق كبير بين مسؤول يجعل المنصب هو عنوانه، ومسؤول يجعل الإنجاز هو عنوانه، والدكتور هاني فؤاد من النوع الثاني؛ من أولئك الذين يعملون في صمت، لكن نتائج عملهم تصل إلى الناس في كل مكان.

ولذلك فإنني عندما أتحدث عن التطور الواضح الذي شهده قطاع الإسعاف في محافظات الصعيد خاصة اسيوط وسوهاج والوادي الجديد، وعن حالة الالتزام والانضباط والدقة وسرعة الاستجابة، لا أتحدث عن أرقام أو شعارات، وإنما عن منظومة تمس حياة الناس بصورة مباشرة، فالإسعاف ليس مجرد سيارات ومقار وأجهزة، وإنما هو الإنسان في أكثر لحظات حياته ضعفا؛ هو الأب الذي ينتظر إنقاذ ابنه، والأم التي ترتجف خوفا على طفلها، والشاب الذي تعرض لحادث، والرجل المسن الذي باغتته أزمة صحية أمام أسرته، وفي كل هذه اللحظات لا يكون هناك مجال للخطأ أو التأخير، لأن الدقيقة الواحدة قد تصنع الفارق بين النجاة والفقدان.

ومن هنا تأتي قيمة ما يقوم به الدكتور هاني فؤاد، فنجاحه لا يقاس فقط بموقعه أو منصبه، وإنما بما تركه من أثر في تطوير منظومة شديدة الحساسية، إن قيادة قطاع الإسعاف تحتاج إلى عقل إداري يعرف معنى الدقة، وإلى طبيب يدرك قيمة الثانية، وإلى إنسان يشعر بألم الناس قبل أن ينظر إلى الملفات والأرقام، وهذه الصفات حين تجتمع في مسؤول واحد تصبح قيمة حقيقية لأي مؤسسة.

وأنا لا أتحدث هنا من بعيد، وإنما أكتب شهادة رجل تابع هذه التجربة منذ بدايتها، ورأى كيف يمكن لفكرة صغيرة أن تتحول إلى واقع يخدم الناس، وكيف يمكن لمسؤول مخلص أن يصنع فارقا حقيقيا عندما يجد أمامه فكرة تستحق الدعم، ولهذا فإنني أقول للدكتور هاني فؤاد بكل صدق وتقدير: ربما لا تحتاج إلى كثير من الكلام عن إنجازاتك، لأن العمل الجاد يظهر، والإنجاز الحقيقي يرى، وأثر المسؤول المخلص يصل إلى الناس حتى لو لم يتحدث عنه أحد.

وعندما أتذكر نقطة الإسعاف التي سعيت إليها في أيام كورونا، لا أتذكر المبنى فقط، وإنما أتذكر الخوف الذي كان يملأ قلوب الناس، وأتذكر أسرا كانت تخشى أن تفقد أحباءها، وأتذكر كم كان الإنسان يتمنى في تلك الأيام أن يجد من ينقذه، وأتذكر أنني كنت أتمنى أن أترك شيئا بسيطا قد ينفع إنسانا لا أعرفه، في قرية ربما لا يعرف أحد فيها من سعى إلى إنشاء هذه الخدمة، لكنه قد يدعو يوما لمن كان سببا في أن تصل إليه سيارة الإسعاف في الوقت المناسب.

وهذا وحده يكفيني، فالإنسان لا يخلد بما جمعه، ولا بما امتلكه، ولا بعدد الصور التي ظهر فيها، وإنما بما تركه من أثر في حياة الآخرين، وإذا كانت هذه النقطة قد ساهمت يوما في إنقاذ حياة طفل، أو أب، أو أم، أو شاب، فهذه بالنسبة لي أكبر مكافأة يمكن أن أحصل عليها، لأن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه هو أثر لا يعرفه الناس بالضرورة، لكن الله يعرفه.

وفي النهاية، لا أملك إلا أن أقول شكرا لكل من ساهم في هذه الحكاية؛ شكرا للأستاذ جلال الشيخ خليل صاحب طرح الفكرة، وشكرا للحاج محمود الساكت الذي بذل جهده حتى تحولت الفكرة إلى واقع، وشكرا لأهالي المنطقة الذين آمنوا بها وساندوها، وشكرا للدكتور هاني جمعية الذي لم يتأخر في الاستجابة عندما كانت الفكرة لا تزال في بدايتها، وشكرا لكل مسؤول في هيئة الإسعاف ساهم في دعمها واستمرارها وتطويرها.

والشكر والتقدير الخاص للدكتور هاني فؤاد، هذا الطبيب المتميز، وأحد أبناء صعيد مصر الذين نفخر بهم، والمسؤول الذي يعمل في صمت، ويقود بعلم وخبرة وانضباط وأخلاق، ويؤكد أن أفضل المسؤولين ليسوا بالضرورة الأكثر ظهورا، وإنما الأكثر أثرا، وأن قيمة الإنسان في موقع المسؤولية ليست فيما يقوله عن نفسه، وإنما فيما يتركه خلفه من عمل يخفف ألم الناس ويحمي حياتهم.

ربما لا نعرف أبدا كم روحا ستنجو بسبب عمل بدأناه يوما، وربما لن نعرف أبدا كم أم احتضنت طفلها بعدما ظنت أنها ستفقده، وكم أب عاد إلى أسرته بعدما ظن أهله أن الطريق انتهى، وكم إنسان كتب الله له عمرا جديدا لأن سيارة إسعاف وصلت في الوقت المناسب.

لكن يكفينا أن الله يعرف.

تم نسخ الرابط