تعلمت في أول درس للفلسفة أنها أم العلوم، فجل العلوم لها تبع، وكان الفلاسفة الأول مجامع علمية تمشي على الأرض، كأفلاطون وأرسطو والفارابي وابن سينا، ثم ظهر أصوات من جفا الأم فحرم وصلها وحرم الانتساب إليها، وعدها ضربا مؤديا إلى الابتداع، ومنهم من غالى وأبعد النجعة في حكمه فذهب إلى تفسيق دارسها بل وتكفيره أحيانا، وعلى نفس تحريم دراستها وكذا المنطق، وهكذا يقضي الغلو فيما لا يحسن من علم، ومن لم يحتمل على تعلمه صبرا.
ثم ظهر في الغرب في عصر الحداثة من ينادي بموت الفلسفة، ومن يحتكرها في جنس آري، ومنهم من لم يكتف بتجريد الشرق وبلاد المسلمين والصين من التفلسف بل إنه هدم أصلها اليوناني وجذعها في العصور الوسطى، وبينما وقف المحرمون في الجانب الشرقي كان في مقابلهم على الجانب الغربي من يحرم بني الشرق من التفلسف، ويمنع عنهم إرثهم الشرعي في بناء الحضارة، ومنهم من أزعجه كلمة فلسفة إسلامية، فجعلها عربية على مضض، ومنهم من زعم أن في عصر النهضة ما يغني عن فلسفة الأقدمين، فغالى البعض في فرانسيس بيكون وفضله على سقراط، وأرسطو، وابن رشد.
وفي ظل تلك القطيعة انقسمت الفلسفة الغربية إلى مدارس شتى كالمثالية والتجريبية ثم تفرع منهما وبإزائهما مدارس شتى كحلقة فيينا والمثالية الجديدة والوضعية والبراجماتية وما بعد الوضعية، وتحت كل مدرسة اصطف عدد كبير من الفلاسفة والمفكرين، وميراث ضخم من الأفكار المتباينة أجاد فيها العقل أحيانا وأخفق أحايين خصوصا إذا رمى فكره في عنان السماء فلم انقلب فكره خاسئا جحد وجود الله وأعلن إلحاده أو وقف مستنكرا على استحياء فركن إلى اللا أدرية، وهذا ديدن من انتصف طريق التفلسف!
ثم ظهرت أصوات في الغرب تنادي بضرورة العودة إلى الأم والبحث عن الجذر بعد أن أعيتهم النسبة إلى دقائق فروع الفروع، وإذا ذكرت قصتي مع الفلسفة أذكر أني تزودت بالصبر لتعلمها والبحث والتجول بين الغوص في جذورها ودقائقها وتسلق فروعها المختلفة، فكل مدرسة من مدارسها بل ومع طلب النظر من المنظار الذي يرى فيه كل فيلسوف العالم كنت أرى زاوية مختلفة تماما عن الآخر، وفي التوقف مع مطارحات ونقود ديكارت وليبنتز أو جيرمي بنثام وجون ستيوارت مل، أو برتراند راسل وكارل بوبر أو أوجست كونت وجون ديوي كنت أجد عبقرية نادرة وأدبا في النقد، وقد ساعد في ذلك حبي الشديد للعلوم التطبيقية كالرياضيات والفيزياء.
ومن الإعجاب والحب ما تطلب البقاء مليا والمكث ساعات من الليل بحضرة برتراند راسل لمراجعة برهنته على مسألة فلسفية بقانون رياضي، أو وضع الفكرة في معادلة رياضية تطبيقية.
ومع الدراسات البينية بين الفلسفة والفيزياء أو علم النفس أو الاجتماع أو الأدب الحديث ونقده، أو الاقتصاد أو القانون، أو تاريخ الفلسفة ذاتها، أو المنطق أو الميتافزيقا أو فلسفة الدين تتدفق بحور من العلوم، واني لأسجل شهادتي أن دراسة الفلسفة كانت عونا في دراسة ما عداها من علوم، ولا أضرب بسهم في علم إلا وأجد الفلسفة في مقدم ذلك السهم، فلم يخل علم أو فكرة من الفكر من فلسفة.
أبراج الفلاسفة
وكنت أعجب كل العجب من اجتهاد أحدهم واحتراقه في انتصاره للعقل ونقده العقيدة التي شب عليها لتناقضها مع العقل، فإذا لم يتنبه الدارس لمقصود ومرامي ذلك الفيلسوف وجب عليه الرجوع القهقرى بعقله صيانة لنفسه من الخطأ، وعلى الباحث الحصيف أن يعلم يقينا موضوع ما ينقده ذلك الفيلسوف من دون تعميم على دينه الذي يدين به، ويكفي للمحترز أن يأخذ من الفيلسوف ما طاب من فكره، وأن يدع ما يخالف معتقده.
وإذا نزلنا من أبراج الفلاسفة وأفلاك أفكارهم فالبون شاسع بينهم وبين من أطلقت عليه "التنوير الشعبي" أو "التضليل الشعبي"، فأمثال هؤلاء عندي مثل مطربي المهرجانات الذين حسبوا أنفسهم مطربين، أو كتاب كلمات تلك الأغاني الذين ظنوا أنفسهم وتوهموا أنهم في مقام عنترة أو البحتري أو شوقي أو البارودي أو حافظ إبراهيم، فشتان بين الثرى والثريا، ومع تدني الذوق العام وتراجعه القهقرى رأينا من يرفع شعر العامية على الفصيح الموزون المقفى، فأمثال هذا التردي في الذوق العام مثل من يتنكر للفلسفة ويصمها بالدنية ومثله أيضا من خلع على المسطحين وأدعياء الفكر ومحاربي الدين ألقاب المفكرين والفلاسفة ولكن هيهات.
وفي الختام: عود على بدء من أراد الفلسفة فعليه أن يجمع ويصبر على شتات ما تولد منها من علوم، وطوبى إلى أصل وفرع من العلم قاد إلى الإيمان ورسخه، ومن طلب علما دون معرفة جذره وأصله وما تشابك به من وشائج العلوم فلن يبلغ تمام مطلوبة، بل هو في مطلوبة أظلم، فقد عق أم العلوم وبر ابنا من أبنائها.


