ربما لم يمت أحد بسبب صورة على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن كم شخصًا ماتت ثقته بنفسه بسببها؟ كم فتاة وقفت أمام المرآة تتفحص وجهها للمرة العاشرة، لأنها رأت وجهًا أكثر جمالًا على الشاشة؟ وكم شاب عاد إلى فراشه وهو يشعر بالفشل، فقط لأنه أمضى ساعة يشاهد نجاحات الآخرين؟ وكم إنسان نام وهو مقتنع أن الجميع يعيشون حياة أفضل منه؟
هذه ليست مبالغة، بل هي الحياة اليومية لملايين البشر. نستيقظ على المقارنات، ونقضي يومنا بين المقارنات، وننام مثقلين بالمقارنات، حتى أصبح السؤال الذي يطارد عصرنا كله: هل صنعت السوشيال ميديا أمراضنا النفسية؟ أم أنها فقط كشفت ما كان مختبئًا في أعماقنا؟
في الماضي، كان الإنسان يعرف حدود عالمه. يقارن نفسه بأقاربه، أو جيرانه، أو زملائه في العمل. أما اليوم، فقد أصبح يقارن نفسه بالعالم كله. في دقائق معدودة يرى أجسادًا مثالية، وعلاقات تبدو خالية من المشكلات، ونجاحات متلاحقة، ورفاهية لا تنتهي. ومع كل صورة جديدة، تتسلل إليه رسالة خفية: “أنت لست كافيًا”. قد لا تُكتب هذه العبارة صراحة، لكن كثيرين يسمعونها في داخلهم كل يوم.
والأخطر أن هذه الرسالة لا تأتي من الغرباء فقط، بل من أقرب الناس إلينا. نرى نجاحاتهم فنشك في نجاحنا، ونرى سعادتهم فنحتقر لحظاتنا العادية، ونرى إنجازاتهم فننسى الطريق الطويل الذي قطعناه نحن أيضًا. وكأن الإنسان أصبح يقف في سباق لا يعرف متى بدأ، ولا يعرف إلى أين ينتهي.
لكن الحقيقة التي لا يحب أحد الاعتراف بها هي أن السوشيال ميديا لا تعرض الحياة كما هي، بل تعرض النسخة المنتقاة منها. الابتسامة دون الدموع، والنجاح دون الفشل، والوصول دون الطريق، والنهاية السعيدة دون الحكاية كاملة. ولهذا السبب تبدو حياة الجميع رائعة… إلا حياتنا.
الوعى النفسي
ثم جاءت موجة الوعي النفسي، وفجأة أصبح العالم كله يتحدث عن القلق، والاكتئاب، والصدمات النفسية، واضطرابات الشخصية. من ناحية، كان هذا أمرًا ضروريًا ومهمًا، فكم من شخص فهم نفسه لأول مرة؟ وكم من إنسان طلب المساعدة بدلًا من أن يتألم في صمت؟ لكن من ناحية أخرى، بدأنا نعيش ظاهرة غريبة؛ أصبح البعض يبحث عن تشخيص أكثر مما يبحث عن فهم، وأصبح من الأسهل أن نصف الأشخاص بدلًا من أن نفهمهم. خلاف عاطفي بسيط؟ إذًا هو شخص سام. أنانية عابرة؟ إذًا هو نرجسي. خوف من الفقد؟ إذًا هناك اضطراب نفسي. وكأن الإنسان فقد حقه في أن يكون إنسانًا، أن يحزن دون تشخيص، وأن يقلق دون تصنيف، وأن يتألم دون أن يتحول إلى مصطلح متداول على الإنترنت.
وهنا تظهر الحقيقة التي قد لا تعجب الكثيرين. السوشيال ميديا لم تزرع القلق داخل الإنسان، لقد وجدته هناك. لم تخلق الشعور بالنقص، بل سلطت عليه الضوء. لم تصنع الوحدة، بل كشفت حجمها. لقد كانت هذه المشاعر موجودة بالفعل، لكنها كانت تتحرك في الظل، ثم جاءت الشاشات العملاقة وألقت عليها الضوء الكاشف، فبدت أكبر مما هي عليه، وأقسى مما نحتمل.
السوشيال ميديا ليست شيطانًا كما يصفها البعض، وليست ملاكًا كما يراها آخرون. إنها مرآة، لكنها مرآة خطيرة؛ لأنها لا تعكس صورتك فقط، بل تعكس مخاوفك أيضًا. تكشف هشاشتك، وتضخم شكوكك، وتضعك كل يوم في مواجهة مباشرة مع نفسك.
ولهذا ربما يكون السؤال الحقيقي مختلفًا تمامًا. ليس: هل أفسدتنا السوشيال ميديا؟ بل: ماذا اكتشفنا عن أنفسنا عندما جلسنا لساعات طويلة أمامها؟ ربما أخافتنا الإجابة، وربما لهذا السبب نستمر في التحديق في الشاشة. ليس لأننا نبحث عن الآخرين، بل لأننا، في أعماقنا، نحاول أن نفهم أنفسنا.
أما الحقيقة الأكثر قسوة، فهي أن الهاتف لم يكن يومًا أخطر ما نحمله بين أيدينا. الخطر الحقيقي كان دائمًا ذلك الفراغ الصامت بداخلنا… الذي نحاول الهروب منه كلما أضاءت الشاشة.




