و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

إذا جلست ذات مساء على ضفاف نهر النيل وتركت مياهه الهادئة تقود أفكارك، فسوف تدرك أن الماء لا يحتفظ بذاكرة الأماكن التي يعبرها فحسب، بل بذاكرة الأشخاص الذين صنعوا تاريخه أيضاً، قبل قرون، حمل شاب من البلقان معه نسيم الجبال الألبانية ونظرة البحر الثاقبة ليعيد رسم مصير هذه الأرض العريقة، لم يغيّر محمد علي باشا مجرى تاريخ مصر فحسب، بل غرس بذرة صداقة راسخة تزدهر اليوم، في عالم يشهد تحولات جيوسياسية كبرى، لتغدو جسراً حيوياً بين أوروبا وأفريقيا.

إن أي تأمل في مصر الحديثة يبدأ حتماً بالرؤية التأسيسية لهذا الرجل ذي الأصول الألبانية، فقد وُلد في قولة لأسرة موثقة الأصول من زمبلاك في كورتشا، ووصل إلى ضفاف النيل ليكتب إحدى أهم صفحات تاريخ مصر الحديث، ومن خلال كسر قيود الجمود، قاد محمد علي وأسرته الحاكمة مصر قرابة مئة وخمسين عاماً، ولم يقتصر دورهم على بناء جيش حديث وإدارة قوية، بل منحوا مصر وعياً جديداً بمكانتها كقوة إقليمية، ويشكّل هذا الإرث، الموثق على نطاق واسع في الكتابات التاريخية العربية والأوروبية، جسراً روحياً متيناً بين الشعبين الألباني والمصري.

واليوم تواصل مصر الحديثة، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة وفاعل استراتيجي في أفريقيا، ومن خلال مشاريع البنية التحتية الكبرى، من العاصمة الإدارية الجديدة إلى ممر مصر–ليبيا–تشاد، تستثمر البلاد في شرايين جديدة للتكامل الاقتصادي، كما تؤكد، عبر دعم منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية وتعزيز التعاون بين بلدان الجنوب، دورها بوصفها أحد المحركات الرئيسية للاستقرار والتنمية في القارة.

وينعكس هذا الدور بصورة طبيعية في الدبلوماسية المصرية تجاه ألبانيا، حيث تشهد العلاقات الثنائية مرحلة جديدة من التطور، فقد أتاح إعادة تفعيل اللجنة الاقتصادية المشتركة، بعد فترة طويلة من التوقف، فرصاً واعدة للاستثمار في التجارة والعلوم والتكنولوجيا، كما تعكس الاتفاقيات بين وكالة التنمية الاستثمارية الألبانية وهيئة المناطق الحرة المصرية اهتماماً اقتصادياً ملموساً، بينما تشير مشاريع تنقل القوى العاملة إلى انتقال التعاون من التصريحات السياسية إلى شراكات عملية.

وفي هذا السياق، تبرز فكرة إنشاء كابل بحري للألياف الضوئية بين ألبانيا ومصر باعتبارها إحدى أكثر المبادرات طموحاً، ويهدف هذا المشروع الجيوتقني إلى تحويل ألبانيا إلى عقدة رقمية لأوروبا، ومصر إلى بوابة رئيسية لنقل البيانات نحو أفريقيا وآسيا، ورغم أن المشروع لا يزال في مرحلته المفاهيمية، فإنه يعكس رغبة البلدين في بناء البنية التحتية الاستراتيجية للقرن الحادي والعشرين معاً.

وتنسجم هذه الرؤية مع الدبلوماسية المتزنة التي انتهجتها مصر تاريخياً بصفتها إحدى الدول المحورية في جامعة الدول العربية، ويظل الرئيس أنور السادات رمزاً للشجاعة السياسية بعد أن فتح صفحة جديدة للسلام في المنطقة ودفع حياته ثمناً لهذا النهج، وعلى هذا الإرث يقوم الدور المصري الحالي في الوساطة في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي وفي الأزمات في ليبيا والسودان والصومال، وإلى جانب هذا التأثير السياسي، تمارس مصر قوة ناعمة كبيرة من خلال جامعة الأزهر، المؤسسة المرموقة للإسلام السني التي تنشر قيم الاعتدال في العالم العربي.

التحديات العالمية

وكتتويج لهذا المسار المشترك، حان الوقت لاتخاذ خطوة جديدة، ففي الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين ألبانيا ومصر، أقترح إنشاء «مركز محمد علي باشا للحضارة العالمية» بمقرين في ألبانيا ومصر، ويمكن لهذا المركز أن يشكل جسراً مؤسسياً دائماً بين أوروبا وأفريقيا، ومنصة للحوار بين القارات، والبحث العلمي، ومعالجة التحديات العالمية، من تغير المناخ إلى الأمن الغذائي، واستناداً إلى نموذج التعايش الديني في ألبانيا وإلى تقاليد الأزهر الوسطية، سيسهم المركز في تعزيز التسامح والتعايش السلمي.

لقد رأى محمد علي باشا في مصر يوماً القدرة على تحدي المستحيل وبناء دولة حديثة، واليوم، ومن خلال الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وتيرانا، تبرز فرصة لمنح هذا الإرث بعداً جديداً، وبناء جسر جديد للتعاون بين أوروبا وأفريقيا خلال العقود المقبلة.

تم نسخ الرابط