من أنفاق القذافي إلى جحيم اليمن
أحمد بجاتو يبني المصداقية للجيل الجديد بـ«حكايات مراسل حربي علي خط النار»
في عالم بات فيه كل حامل هاتف يدّعي أنه «مراسل حربي»، يأتي هذا الكتاب ليكسر الصورة الزائفة، ويعيد للمهنة وجهها الحقيقي؛ ذلك الوجه الذي لا يشبه سيلفيات الخوذ ولا فيديوهات الاستعراض، بل يحمل في طياته خوفًا حقيقيًا، ومسؤولية أخلاقية لا تنتهي، ورسالة تشكّل كل لقطة وكل كلمة تُنقل.
عبر أكثر من عشرين عامًا من الاشتعال في أكثر بقاع الأرض توترًا، من أنفاق القذافي في سرت إلى أزقة الموصل المحاصرة بداعش، ومن جحيم الحصار اليمني إلى ركام درنة الذي ابتلعته الفيضانات، يقدّم الإعلامي أحمد بجاتو شهادته الكاملة؛ شهادة رجل رأى ما لا يُروى، وعاش ما لا يُحتمل، وظل يحمل الكاميرا لأن أحدًا ما لا بد أن يفعل ذلك.
حكايات «مراسل حربي على خط النار» ليس مجرد مذكرات شخصية، بل هو وثيقة إنسانية نادرة كُتبت بمداد التجربة الحية لا بحبر الورق، يمتد الكتاب في أربعمائة وأربع وعشرين صفحة، موزعة بين ميادين القتال وأروقة الأسرار وكواليس الحوادث الكبرى، جامعًا بين التوثيق الميداني الدقيق والتحليل العميق لطبيعة المهنة وأخلاقياتها.
يطرح المؤلف في صفحت «مراسل حربي علي خط النار» تساؤلات حاسمة تشغل كل من يلج هذا الميدان: كيف يبقى الصحفي إنسانًا وهو يشهد ما يشهد؟ أين الحد بين التعاطف والحياد؟ وما الفرق بين من يحمل رسالة ومن يحمل كاميرا فحسب؟ تلك الأسئلة لا يجيب عنها الكتاب بالنظرية، بل بالحكاية الحية والموقف المعاش.
ليبيا: الثورة والنهاية — يروي بجاتو رحلة دخوله ليبيا عبر الصحراء وقت الثورة، وحضوره اللحظات الأخيرة من حياة القذافي، بما فيها لقاءات حصرية مع قيادات كانت في قلب الحدث، ولقاء انفرادي مع الطبيب الذي أخذ عينة الحمض النووي للتعرف على الجثة، اليمن: جحيم الحصار — تقارير إنسانية من رحم الأزمة اليمنية، يصف فيها آباءً يبكون أطفالهم أمام الكاميرا، ومدنًا تلفظ أنفاسها تحت وطأة الحصار والجوع.
العراق ومعركة الموصل — بين دبابات التحرير وعيون الأطفال العائدين من جحيم داعش، يرصد المؤلف الوجه الآخر للمعركة: قصص البقاء والشجاعة التي لا تظهر في نشرات الأخبار، درنة الغارقة — تغطية ميدانية استثنائية من أكبر كارثة إنسانية عربية في القرن الحادي والعشرين، حين بلع السيل مدينة بأكملها في ثلاث عشرة ساعة فحسب، وتحرك بجاتو فورًا ليكون شاهدًا حيًا على الكارثة والاستجابة الإنسانية.
لبنان وجيبوتي والقمم الدولية — مشهدية متكاملة تجمع بين التغطية الأمنية والتحليل الاقتصادي والاجتماعي في بيئات متباينة،مسلطةً الضوء على الفجوة الحقيقية بين الصحافة العربية ونظيراتها الغربية، في عصر منصات التواصل الاجتماعي حيث بات الظهور بمظهر "المراسل الشجاع" بضعة نقرات، يقدم بجاتو صرخة مدوية في وجه هذه الظاهرة؛ ليفرق بحدة بين صورة السيلفي بالخوذة والسترة الواقية، وبين ذلك الذي يعيش في قلب الحدث ويحمل ثقل مسؤولية الأمانة للتاريخ والضحايا في آن معًا.
الجيل الجديد
الكتاب رسالة أيضًا إلى الجيل الجديد من الإعلاميين؛ يرشدهم إلى فن البقاء آمنًا، وبناء المصداقية في عالم مليء بالإغراءات والضغوط، وكيف يحمل الصحفي إنسانيته كاملة دون أن يفقد موضوعيته، يؤكد المؤلف أن رأس مال الصحفي الحقيقي ليس كاميراته ولا علاقاته، بل مصداقيته؛ تلك التي تُبنى بسنوات ويُقضى عليها بلحظة.
أحمد بجاتو إعلامي عربي بارز، مراسل أول في قناتَي العربية والحدث، يمتلك ما يزيد على عشرين عامًا من الخبرة في التغطية الميدانية لأشد بؤر الصراعات الدولية اشتعالًا، غطّى الثورة الليبية وسقوط القذافي، وأزمة اليمن ومعارك الموصل، والأزمة الأفغانية وكارثة درنة، وسواها من أحداث فصّلت تاريخ المنطقة في العقود الأخيرة.
حاصل على ماجستير في الإعلام من جامعة ليفربول البريطانية. يوازي بجاتو مسيرته الميدانية بحضور أكاديمي متنامٍ، إذ يُحاضر في عدد من الجامعات المصرية، يُعدّ الكتاب الحالي إضافة إلى رصيده التأليفي الذي يضم سابقًا "يوميات مراسل" الصادر عن دار أكتب.








