و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

طفنيس قرية ذات امتداد عريق منذ العصر الفرعوني وصولا للفتح الإسلامي الذي كانت به قبلة للعلماء وعش الصالحين، أسس بها الخديوي توفيق استراحة ملكية وسط عشرات الأفدنة ، بها مركز البحوث الزراعية،يمتلك أكثر من 800 فدان، و حظيت طفنيس على الدوام بتأثير ثقافي واجتماعي وسياسي يفوق كثيراً حجم سكانها الذي يزيد عن 28 ألف نسمة، أنجبت العلماء ورموزا أثروا وخلدوا في التاريخ، ولم تبخل بتقديم الشهداء والأبطال في كل معارك الوطن، كما لم تتوقف لحظة عن إنجاب حفظة القرآن الكريم، وعالم الأزهر ، والعالم الفذ والمثقف الجاد، والأكاديمي البارز، وصفها الكاتب الكبير انيس منصور بأنها أجمل من باريس.
طفنيس هي قرية التلاوة، حيث الكتاتيب تملأ الشوارع، وحيث المئات من أطفالها يحفظون كتاب الله في عمر الزهور، و الخير ممتدٌّ إلى القرى المجاورة، دعمًا ومساندةً ومؤازرةً في كل محنة، ووقوفًا بجوار مؤسسات الدولة في أشد الظروف. هي قرية واجهت الأزمات بصمت، وتغلبت عليها بفضل الله، وظلت أكثر البلاد التزامًا بالقانون، وأشدها حرصًا على النظام، وأوفاها بالعهد والوعد.  

ومع ذلك، فإن هذه القرية التي وصفت بروضة الصالحين، وكانت منبعًا للخير في جائحة كورونا، حين وقف شبابها من الطواقم الطبية في الصفوف الأولى لإنقاذ الأرواح، تواجه اليوم واقعًا يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة، الوحدة الصحية التي خُصص لها 18 مليون جنيه عام 2019 تحولت إلى سراب، والمدارس تضيق بأبنائها وتئن تحت وطأة التكدس، بينما الأراضي المخصصة للبناء تنتظر قرارًا لا يأتي، والطلاب يواجهون يوميًا مشهدًا لا يليق بقرية أنجبت العلماء والمثقفين والأكاديميين، مبنى التضامن الإجتماعي الذي شُيّد ضمن المبادرة الرئاسية (حياة كريمة) يظل مغلقًا منذ عام، ليُترك كبار السن والسيدات يفترشون الأرض أمام شباك ضيق ، في صورة تختزل الإهمال وتفضح غياب المسؤولية، وتكشف أن الكرامة الإنسانية قد أُهملت في موطنٍ كان يومًا منارةً للعلم والرحمة، شبكات المياه والصرف الصحي ناقصة، المشاريع متعثرة، الرقابة غائبة، وكأن القرية خارج حسابات التنمية، رغم أنها في قلب المبادرة التي وُعد بها المواطنون، وكأنها تُعاقب على تاريخها العريق بدل أن تُكافأ عليه.  

طفنيس لا تعاني من فقر الموارد بل من فقر الإرادة، والرقابة والمتابعة لا تواجه أزمة إمكانات بل أزمة إدارة، لا تفتقر إلى العطاء بل تفتقر إلى الإلتفات، هي قرية أثبتت أنها قادرة على الدعم، إذ ساهمت في مكافحة جائحة كورونا ، وساندت القرى المجاورة، ووقفت بجوار مؤسسات الدولة في أصعب الظروف، لكنها لم تنل ما تستحقه من اهتمام، وتصبح خارج دائرة الرؤية لمحافظ الإقليم الحالي ، وكأنها ليست جزءًا من الخريطة ولا من المبادرة.  
طفنيس تقف اليوم في مواجهة صريحة مع واقع يختزلها في دائرة النسيان، حيث اكتفى المسؤولون بزيارات بروتوكولية إلى القرى المجاورة وتركوا قلب الإقليم بلا رعاية، مجمع لخدمات التضامن الاجتماعي والأسرة والمرأة، ظل مغلقًا، فصار شاهدًا على الجمود بدل أن يكون منارةً للعطاء، ورمزًا للإهمال بدل أن يكون عنوانًا للرعاية، خطوط مياه لم تتغيير، مشروع صرف صحي لم يكتمل ولم يراقب، وحدة إسعاف لم تنشأ، ملاحق مدارس لم تنشأ، سور جبانة لم ينشأ، أعمدة كهربائية لم تصل الي جبانة المسلمين، مطالب عديدة رصدت في حياة كريمة دون أي اهتمام من المنوط بهم ذلك.

المفارقة أن الذاكرة القريبة تحمل صورة مختلفة تمامًا، حين كان المحافظ السابق يجوب شوارع القرى بلا مؤتمرات ولا شعارات، يستمع مباشرة إلى الناس ويعمل بصمت، فكان حضوره أصدق من أي خطاب، و كان أقرب إلى المواطنين، فشكّل نموذجًا للقيادة التي تُنصف ولا تُهمل تبدأ وتؤسس وتضيف . 

اليوم، طفنيس لا تطلب إمتيازات ولا زخارف، بل حقوقًا أساسية في الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي ، تطلب حياة كريمة بالفعل لا بالقول، إنجازًا يضيء لا وعدًا يذوب، قيادةً تُضيف لا تُردد، القضية لم تعد شأن قرية صغيرة، بل امتحان صدق للإدارة المحلية في التزامها تجاه مواطنيها، ومقياسًا بين القول والفعل، بين الشعارات والحقائق، طفنيس ليست على الهامش، بل في صميم الوطن، وإهمالها ليس تقصيرًا في حق قرية، بل إهدارًا لنبض مصر نفسها، التاريخ لن يرحم من يترك قلبه بلا رعاية، ولن يغفر لمن يضيّع حقه في الحياة الكريمة.

تم نسخ الرابط