و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

الفشل يتكرر بعد 50 عاما

53 عامًا على حرب أكتوبر.. الصحافة العبرية:"مصر وغزة حولا عيد الغفران إلى كابوس"

موقع الصفحة الأولى

بعد مرور 53 عامًا على نصر 6 أكتوبر 1973، عادت حرب أكتوبر إلى واجهة النقاش في الإعلام الإسرائيلي، لكن هذه المرة لم تكن الذكرى مجرد استعادة لمعركة مضى عليها أكثر من نصف قرن، وإنما تحولت إلى مناسبة لإعادة طرح السؤال الأصعب داخل إسرائيل: كيف يمكن أن تتكرر صدمة المفاجأة بعد 50 عامًا فقط، من حرب يوم الغفران إلى هجوم 7 أكتوبر 2023 أو ما يعرف بحرب غزة. 

شاهد الفيديو..

التغطية الإسرائيلية الأخيرة تكشف أن حرب أكتوبر لا تزال تمثل واحدة من أهم نقاط التحول في الوعي الأمني الإسرائيلي، إلا أن المقارنة بين أكتوبر 1973 وأكتوبر 2023 أصبحت أكثر حضورًا من أي وقت مضى، خصوصًا مع استمرار النقاش حول مسؤولية أجهزة الاستخبارات والقيادة السياسية والعسكرية عن الفشل في تقدير نوايا الخصم.

في مقال نشرته صحيفة «إسرائيل اليوم» في 22 سبتمبر، تحت عنوان «حرب يوم الغفران: ما تعلمناه وما نسيناه»، كتب أستاذ دراسات الشرق الأوسط إيال زيسر أن يوم الغفران تحول منذ أكتوبر 1973 إلى مناسبة لـ«حساب نفس وطني».

ويرى زيسر أن الذاكرة الإسرائيلية للحرب ارتبطت بصورة أساسية بالمفاجأة والقلق الذي عاشه الإسرائيليون في الساعات الأولى، والأنباء عن الانهيار في بعض المواقع، والقتلى والأسرى والمفقودين.

ومن وجهة نظر زيسر، فإن أهمية حرب أكتوبر لا تتوقف عند نتائجها العسكرية، وإنما تمتد إلى ما يعتبره تحولًا سياسيًا استراتيجيًا؛ إذ يربط بين الحرب وبين انتقال الرئيس المصري أنور السادات لاحقًا إلى مسار التفاوض والسلام.

وتحتل شخصية الرئيس الراحل أنور السادات مساحة واضحة في القراءة الإسرائيلية الحالية للحرب، فبحسب زيسر، لم يكن السادات يسعى إلى تغيير موقفه من إسرائيل باعتبارها خصمًا، لكنه توصل بعد الحرب إلى أن استمرار الصراع العسكري وحده لن يحقق لمصر أهدافها.

ويربط الكاتب بين حرب أكتوبر وبين القرار المصري لاحقًا بالانتقال إلى المسار السياسي، وصولًا إلى زيارة السادات للقدس عام 1977 ثم اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية.

لكن «يديعوت أحرونوت» قالت: المشكلة ليست في الحرب القديمة.. بل في تكرار الخطأ

في المقابل، وفي تقرير نشره مائير ميلشتاين في 18 سبتمبر بعنوان «بين مَفشلين: لم نتعلم بما يكفي من الفشل»، يشير إلى أن 50 عامًا ويومًا واحدًا فقط فصلت بين مَفشل أكتوبر 1973 ومَفشل أكتوبر 2023.

وبحسب التقرير، فإن الصدمة التي خلفتها حرب يوم الغفران لم تختف من الذاكرة الإسرائيلية، لكن بعض الأخطاء التي قادت إلى المفاجأة تكررت مرة أخرى.

وتتحدث المادة عن أن المشكلة في الحالتين لم تكن فقط نقص المعلومات، وإنما طريقة تفسير المعلومات، والثقة الزائدة في التصورات المسبقة، والاستخفاف بقدرات الخصم.

وينقل التقرير عن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق أهارون زئيفي-فركاش قلقه من أن إسرائيل ما زالت تواجه صعوبة في تحويل دروس الإخفاقات إلى تغيير مؤسسي حقيقي. 

مفهوم «الكونسبتسيا»

أحد أهم المصطلحات التي تظهر في النقاش الإسرائيلي هو مفهوم «الكونسبتسيا»؛ أي التصور المسبق الذي يحدد كيفية تفسير المعلومات الاستخباراتية، وفي حالة 1973، ارتبط هذا التصور باعتقاد أن مصر وسوريا لن تدخلا حربًا شاملة في الظروف القائمة، الأمر الذي أدى إلى التقليل من شأن مؤشرات وتحذيرات سبقت الهجوم.

أما بعد 7 أكتوبر، فقد عادت الأسئلة نفسها: هل كانت المعلومات موجودة ولكن جرى تفسيرها بصورة خاطئة؟ وهل أدى الاطمئنان إلى التفوق التكنولوجي والاستخباراتي إلى تقليل تقدير قدرات الخصم؟

 

وتؤكد "يديعوت أحرانوت" أن هناك تشابهًا في نمط الفشل، مع اختلاف كبير بين طبيعة التهديدين والبيئتين الاستراتيجيتين، مع تصاعد الثقة الزائدة في أدوات الردع

وقالت في حرب 1973، كانت إسرائيل تعتمد بدرجة كبيرة على التحصينات ونظامها الدفاعي في سيناء، بينما أثبت العبور المصري أن التفوق التقني والتحصينات لا يضمنان منع المفاجأة، وبعد نصف قرن، ظهر نقاش مشابه بشأن الاعتماد الكبير على التكنولوجيا والمراقبة الإلكترونية والحواجز والوسائل المتقدمة على حدود قطاع غزة.

ولهذا أصبح السؤال في الصحافة الإسرائيلية: هل أعادت إسرائيل إنتاج عقلية ما قبل أكتوبر 1973 بصورة جديدة قبل أكتوبر 2023؟

وفي الوقت نفسه، لا تتخلى الصحافة الإسرائيلية عن الرواية التي ترى أن الحرب انتهت باستعادة الجيش الإسرائيلي زمام المبادرة وتحقيق إنجازات عسكرية كبيرة، «إسرائيل اليوم» تذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن الحرب انتهت بتحول عسكري إسرائيلي من موقع الصدمة إلى الهجوم، وأن ذلك مكّن القيادة السياسية لاحقًا من ترجمة نتائج الحرب إلى مسار سياسي. 

وهنا يظهر اختلاف مهم في قراءة الحرب: مصر تستحضر العبور وتحطيم خط بارليف واستعادة الإرادة العسكرية، بينما تركز الرواية الإسرائيلية على استعادة المبادرة في النصف الثاني من الحرب وما أعقبها سياسيًا.

وهذا الاختلاف في الذاكرة ليس تفصيلًا تاريخيًا؛ بل جزء من الطريقة التي ترى بها كل دولة معنى الحرب ونتائجها.

«لم نتعلم بما يكفي»

المفارقة الكبرى التي تفرض نفسها على الإعلام الإسرائيلي اليوم أن حرب أكتوبر 1973 كانت، لعقود، المرجع الأساسي لفهم خطر المفاجأة الاستراتيجية، ولكن بعد 7 أكتوبر 2023 أصبح السؤال أكثر قسوة: إذا كانت إسرائيل قد درست إخفاق حرب أكتوبر لعقود، فكيف وقع إخفاق استخباراتي وأمني آخر بعد 50 عامًا؟

يديعوت أحرانوت تطرح هذه المسألة صراحة، مشيرة إلى أن إسرائيل أقامت بعد حرب 1973 لجنة تحقيق رسمية، بينما لا يزال النقاش حول كيفية التحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر حاضرًا بقوة. 

وبذلك، فإن أهم ما تكشفه الصحافة العبرية في ذكرى حرب أكتوبر هذا العام هو أن الحرب لم تعد مجرد ذكرى عسكرية؛ بل أصبحت مرآة تقيس بها إسرائيل أداء مؤسساتها الأمنية والاستخباراتية والسياسية.

تم نسخ الرابط