الدفع مقدما من أول أغسطس
فاتورة إجبارية.. مافيا الدروس الخصوصية ترفض مطالب أولياء الأمور بتأجيل البداية لسبتمبر
تتصدر منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات أولياء الأمور حالياً موجة واسعة من المطالبات بتأجيل انطلاق ماراثون الدروس الخصوصية إلى الأول من سبتمبر المقبل، تزامناً مع غزو إعلانات الحجز المبكر لـ السناتر التعليمية لبدء الحصص في الأول من أغسطس.
وتتجدد مع بداية كل موسم دراسي جديد حالة الاحتقان بين أولياء الأمور والمعلمين بسبب إطلاق مراكز الدروس الخصوصية إعلانات مبكرة لبدء الحصص والتحصيل المالي مع مطلع شهر أغسطس. واعتبرت الأسر هذه المواعيد استنزافا مبكرا لفترة الأجازة الصيفية وتعديا على ميزانية البيت، لا سيما وأنها تتزامن مع أعباء ومستلزمات متراكمة.
تأتي هذه الاستغاثات الشعبية مدفوعة بأزمات اقتصادية طاحنة ترهق كاهل الأسرة المصرية، إلى جانب موجات الحر الشديدة، ورغبة الأهالي في منح أبنائهم «هدنة» كافية بعد عام دراسي شاق.
وأطلقت ائتلافات أولياء الأمور مبادرات وحملات إلكترونية مكثفة تحت شعار «تأجيل الدروس لسبتمبر»، مناشدين المعلمين والمسؤولين التدخل لتهدئة هذا السباق المحموم. ويرى الأهالي أن بدء الدراسة في أغسطس يستنزف طاقة الطالب قبل بداية العام الدراسي الفعلي، ويحرم الأسر من أي فرصة لالتقاط الأنفاس ماديا ونفسيا. بينما يؤكد تربويون أن بدء العام الدراسي مبكرا يحول الطالب إلى آلة صماء ويخلق لديه نفورا مبكرا من التعليم.
الإنفاق على الدروس
ويكشف حجم الإنفاق على الدروس الخصوصية في مصر عن عمق الأزمة التي يواجهها التعليم؛ حيث تشير تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن الميزانية الموازية للدروس الخصوصية تستنزف ما يقرب من 247 مليار جنيه سنوياً من جيوب الأسر المصرية. هذا الرقم الصادم، الذي يتجاوز في كثير من الأحيان ميزانيات قطاعات خدمية كاملة، تحول إلى ثقب أسود يلتهم دخول المواطنين وسط تضخم متصاعد، ليصبح التعليم المجاني مجرد شعار نظري في ظل واقع يفرض فاتورة إجبارية على كل بيت.
على الجانب الآخر، تعكس تصريحات وزارة التربية والتعليم فجوة كبيرة بين الواقع والتقارير الرسمية؛ حيث تخرج التصريحات الحكومية لتؤكد تراجع الاعتماد على مراكز الدروس الخصوصية «السناتر» بنسب تصل إلى 50% نتيجة لعودة الثقة في المدارس وتطبيق سياسات جديدة لتقليل الكثافة.
إلا أن هذا الخطاب الرسمي يصطدم بفشل ميداني واضح في القضاء على الظاهرة؛ حيث لا تزال المدارس تعاني من غياب حقيقي للشرح الفعال في الفصول، بينما تستمر مراكز الدروس في العمل علنا متحدية لجان الضبطية القضائية والقرارات الوزارية والمقترحات المتتالية مثل "مجموعات التقوية" أو أنظمة "البكالوريا المحدثة" التي لم تنجح حتى الآن في تقديم بديل جاذب ومقنع يغني الطلاب عن السناتر.
تشير التقديرات الاقتصادية والتقارير الرسمية السابقة إلى أن حجم الإنفاق الكلي للأسر المصرية على سوق الدروس الخصوصية والكتب الخارجية يتجاوز أرقاماً فلكية تقدر بالمليارات سنوياً. هذا الرقم الضخم يمثل نسبة معتبرة من دخل العائلات البسيطة والمتوسطة، مما يحول التعليم من خدمة عامة تكفلها الدولة إلى عبء يثقل كاهل الآباء ويهدد الاستقرار المعيشي للملايين.
وتتوالى انتقادات أولياء الأمور للسياسات الرسمية المتعاقبة في وزارة التربية والتعليم، حيث يرى المراقبون أن الإجراءات التنظيمية والقرارات الوزارية الحظريّة لم تفلح سوى على الورق في محاصرة "السناتر التعليمية" والمجموعات غير المرخصة. ويعود الفشل الحكومي في القضاء على الظاهرة إلى غياب الجاذبية الحقيقية داخل الفصول المدرسية وعجز الرواتب المدرسية عن تحفيز المعلمين، مما جعل اللجوء للدروس الخصوصية خياراً قسرياً لا غنى عنه في نظر الطالب وأولياء الأمور.








