الحكومة تتجاهل الرد على الباحثين
صرخة 30 ألف باحث.. استمرار أزمة مركز البحوث الزراعية ونائب: تهدد الأمن الغذائي
لا تزال أزمة أراضي مركز البحوث الزراعية تراوح مكانها، رغم استغاثة ما يزيد عن 30 ألف باحث وأكاديمي من العاملين بمركز البحوث الزراعية، منذ مطلع أبريل الجاري، إلى رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، أملا في وقف قرار نقل المركز إلى قرية دهشور وتسليم أراضيه لصالح جهاز مستقبل مصر
كما حذر الباحثين من تبوير الأراضي الخاصة بالمركز بما يهدد الأمن الغذائي داخل البلاد، في الوقت الذي لم يصدر أي تعليق من الحكومة أو رد على استغاثات الباحثين، وسط مخاوف واسعة من العصف بجهود البحث العلمي وتبوير الأراضي الزراعية الخصبة وتحويلها إلى مشروعات عقارية.
وأصدر 12 ألفًا و681 باحثًا من مساعد باحث إلى أستاذ متفرغ، و16 ألفًا و927 إداريًا من أعضاء نادي هيئة البحوث بمركز البحوث الزراعية، بيانًا، لرفضهم مقترحات نقل المركز، مؤكدين أنه ليس مجرد مباني أو أراضي، بل هو منظومة علمية متكاملة تمتد لأكثر من مائة عام، وتضم معامل مجهزة وصوبًا زراعية وأراضي خصبة تُستخدم لإجراء التجارب، وهو يُمثّل ركيزة أساسية للأمن الغذائي المصري.
وأوضح الموقعون على البيان أنهم يعملون في سباق مستمر مع الزمن لاستنباط أصناف زراعية قادرة على مواجهة التغيرات المناخية ونقص الموارد المائية، محذرين من أن أي إجراءات تعيق وصول الباحثين إلى معاملهم أو مزارعهم التجريبية ستؤثر بشكل مباشر على استمرارية الأبحاث ونتائجها، مطالبين بالحفاظ على المركز وتطويره بدلًا من نقله، وداعين إلى دعم الكوادر البشرية داخل المركز، من خلال تعيين أوائل الخريجين سنويًا لضخ دماء جديدة والاستفادة من خبرات الأساتذة الحاليين، بما يضمن استمرارية تطوير البحث العلمي الزراعي.
وفي هذا الإطار، تقدم النائب محمود سامي الإمام عضو مجلس النواب ورئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي بطلب إحاطة إلي المستشار هشام بدوي رئيس مجلس النواب، موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الزراعة واستصلاح الأراضي، بشأن: ما أُثير حول نقل تبعية أو استغلال أراضي مراكز البحوث الزراعية لصالح جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة وتأثير ذلك على الأمن الغذائي والبحث العلمي الزراعي في مصر.
وقال في بيانه: في ظل ما يشهده القطاع الزراعي المصري من تحديات غير مسبوقة، تتعلق بتراجع نصيب الفرد من المياه، والضغوط المتزايدة على الأراضي الزراعية، وتنامي الفجوة الغذائية في عدد من المحاصيل الاستراتيجية، تبرز أهمية البحث العلمي الزراعي باعتباره الركيزة الأساسية لتعظيم الإنتاجية وتحقيق الأمن الغذائي، ليس من خلال التوسع الأفقي الذي أصبح محدودًا، بل عبر التوسع الرأسي القائم على الابتكار والتطوير.
وأضاف: في هذا السياق، تابعنا ما يتم تداوله خلال الأيام القليلة الماضية من معلومات وشكاوى واستغاثات من العاملين والباحثين بمراكز البحوث الزراعية التابعة لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، تفيد بوجود توجه نحو نقل تبعية أو وضع اليد على مساحات من الأراضي التابعة لتلك المراكز لصالح جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، الأمر الذي أثار حالة واسعة من القلق بين الباحثين والعاملين في هذا القطاع الحيوي.
وشدد على أن هذه المخاوف تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تمثل هذه الأراضي في كثير من الأحيان معامل حقلية ومواقع تجارب تطبيقية لا غنى عنها لإجراء البحوث الزراعية، سواء فيما يتعلق باستنباط أصناف جديدة من المحاصيل، أو تطوير نظم ري حديثة، أو إنتاج شتلات محسنة، أو دراسة تأثيرات التغيرات المناخية على الإنتاج الزراعي.

وتابع: من المعلوم أن مراكز البحوث الزراعية لا تمثل مجرد جهة إدارية، بل هي أحد أهم الأعمدة العلمية للدولة، حيث تضطلع بدور رئيسي في تطوير الإنتاج الزراعي، من خلال استنباط أصناف عالية الإنتاجية، مقاومة للأمراض، وأقل استهلاكًا للمياه، وهو ما يتسق مع التحديات الحالية التي تواجه الدولة في ملف الموارد المائية.
أهمية المركز
وأشار الإمام إلى أن هذه المراكز تلعب دورًا محوريًا في نقل التكنولوجيا الزراعية الحديثة، تحسين جودة التقاوي، وتطوير أساليب الزراعة، بما يسهم في زيادة الإنتاجية وتقليل الفاقد، ما ينعكس بشكل مباشر على استقرار الأسواق وتحقيق الأمن الغذائي.
وفي هذا الإطار، شدد الإمام إن أي مساس بالبنية الأساسية لهذه المراكز، وخاصة الأراضي البحثية التي تمثل البيئة التطبيقية للتجارب العلمية، يثير تساؤلات جوهرية حول مدى توافق هذه الإجراءات مع أولويات الدولة في دعم البحث العلمي الزراعي.
وقال: لا يفوتنا في هذا السياق الإشارة إلى أن عددًا من الدول التي تواجه ظروفًا مشابهة لمصر في ما يتعلق بندرة المياه أو محدودية الأراضي الزراعية، قد اتجهت إلى تعظيم دور البحث العلمي الزراعي كخيار استراتيجي، وليس العكس.
فعلى سبيل المثال، نجحت هولندا، وهي دولة ذات مساحة محدودة مقارنة بمصر، في ظل معاناتها من ندرة المياه العذبة، أن تصبح ثاني أكبر مُصدر للمنتجات الزراعية في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، رغم صغر مساحتها، ولكن تحقق هذا الإنجاز بفضل الاعتماد على تطوير الأبحاث المتنوعة في مجال الزراعة، ما مكنها من استخدام أحدث أساليب التكنولوجيا المتقدمة، مثل البيوت الزجاجية الذكية، والزراعة العمودية الدقيقة.
ذلك الأمر الذي مكنها من توفير ثلث صادرات العالم من الفلفل والطماطم، كل ذلك قد تم عبر الاعتماد على الزراعة الذكية، والتقنيات المتقدمة، والبحث العلمي التطبيقي، الذي حول كل متر من الأرض إلى وحدة إنتاج عالية الكفاءة، وهو ما يؤكد أن الطريق نحو تحقيق الأمن الغذائي لا يمر عبر تقليص دور مراكز البحوث الزراعية أو الانتقاص من مواردها، وإنما عبر دعمها وتعزيز قدراتها وتوفير البيئة المناسبة لعملها.
وتابع: في الوقت الذي نؤكد فيه دعمنا الكامل لأي توجه يستهدف إعادة هيكلة مراكز البحوث الزراعية، سواء إداريًا أو ماليًا أو وظيفيًا، بما يضمن رفع كفاءتها وتعظيم الاستفادة من إمكانياتها، فإن ذلك لا ينبغي أن يتم على حساب الأصول الأساسية لهذه المراكز، وعلى رأسها الأراضي البحثية التي تُعد جزءًا لا يتجزأ من منظومة البحث العلمي.
كما أن التوسع في مشروعات قومية أو استثمارية، أيًا كانت أهميتها، لا يجب أن يأتي على حساب تقليص المساحات المخصصة للبحث العلمي الزراعي، خاصة في ظل توافر مساحات أخرى يمكن توجيهها لتلك المشروعات دون المساس بالمراكز البحثية.
ومن ثم، فإن الأمر يتطلب توضيحًا عاجلًا من الحكومة بشأن حقيقة ما يتم تداوله، والأسس التي يتم بناءًا عليها اتخاذ مثل هذه القرارات، ومدى مراعاة الأبعاد العلمية والاستراتيجية المرتبطة بدور مراكز البحوث الزراعية، حيث أن الحفاظ على البحث العلمي الزراعي ليس ترفًا، بل هو مسألة أمن قومي، وأي تراجع في هذا الملف قد تكون له تداعيات خطيرة على قدرة الدولة في تأمين احتياجاتها الغذائية مستقبلًا.

وطالب الإمام في بيانه، بناءًا على ما سبق فأننا نطالب الحكومة بالأتي:
أولًا: توضيح مدى صحة ما تم تداوله بشأن نقل تبعية أو استغلال أراضي مراكز البحوث الزراعية لصالح جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة بشكل رسمي ومعلن.
ثانيًا: الإعلان عن المساحات التي تم أو يُعتزم نقلها، وطبيعة استخدامها الحالي، مع بيان ما إذا كانت تشمل أراضي تجارب أو محطات بحثية.
ثالثًا: الكشف عن الدراسات الفنية والعلمية التي تم الاستناد إليها قبل اتخاذ هذه القرارات، ومدى مشاركة الجهات البحثية المختصة في إعدادها.
رابعًا: بيان أثر هذه الإجراءات على قدرة مراكز البحوث الزراعية في أداء دورها، خاصة في مجالات استنباط التقاوي وتحسين الإنتاجية وترشيد استخدام المياه.
خامسًا: تقديم خطة لتعويض أي نقص محتمل في الأراضي البحثية، أو نقل الأنشطة إلى مواقع بديلة بنفس الكفاءة والإمكانات.
هدم ممنهج
ومن جانبه، يعتبر الدكتور خالد عياد، أستاذ المكافحة البيولوجية بمركز البحوث الزراعية، القرار هدمًا ممنهجًا للبحث العلمي والزراعة في مصر، لاسيما في ظل غياب استراتيجية واضحة لتطوير البحث العلمي أو تعظيم الاستفادة منه، موضحًا أن المركز يُعد الجهة التطبيقية الرئيسية للزراعة في مصر، إذ تُترجم داخله الأبحاث إلى سياسات وممارسات على الأرض، وعلى النقيض سيؤثر إضعاف هذا الدور بشكل مباشر على تطوير المحاصيل والإنتاج الزراعي.
وقال: “المركز يضم معامل وتجهيزات أُنفقت عليها ملايين الجنيهات، فما مصير هذه البنية التحتية حال تنفيذ النقل؟، إن ترك هذه الإمكانيات أو نقلها دون رؤية واضحة يُعد إهدارًا للموارد، كما أن الحديث عن نقل العاملين إلى دهشور لا يراعي طبيعة العمل البحثي، الذي يحتاج إلى بيئة متكاملة من معامل وتجهيزات وخدمات مساندة، والباحث الذي يتحمل نفقات النشر والانتقالات بموارد مادية محدودة لن يكون قادرًا على الاستمرار بنفس الكفاءة”.
وحذّر من أن تأثير القرار سينعكس إلى الأمن الغذائي في مصر خلال السنوات المقبلة، إذ أن تراجع البحث العلمي الزراعي يعني تراجع القدرة على استنباط أصناف جديدة وتحسين الإنتاج، وهو ما قد يقود إلى فجوة غذائية في المستقبل.








