الزيارة التى من المقرر أن يقوم بها بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلى إلى واشنطن الأربعاء (11/2/2026) واللقاء بالرئيس الأمريكى دونالد ترامب، والتى تجىء بعد خمسة أيام من انعقاد جلستى المحادثات الإيرانية – الأمريكية فى العاصمة العمانية مسقط يوم الجمعة الماضى (6/2/2026) من الصعب وصفها بأنها زيارة «غامضة» أو حتى زيارة مفاجئة، فالدوافع والأهداف واضحة، أما التوقيت فهو المثير للاهتمام، حيث تم التعجيل بهذه الزيارة أسبوعًا عن موعدها الذى تقرر لها، والهدف الواضح والصريح لهذه الزيارة، هو احتواء النتائج الإيجابية التى توصلت إليها محادثات مسقط، والتى قام فيها وزير الخارجية العمانى بدر البوسعيدى بدور الوسيط بين الطرفين الإيرانى – والأمريكى، بعد أن فشلت إسرائيل فى إقناع الولايات المتحدة بعدم القبول بمسار التفاوض مع إيران، وإعطاء كل الأولوية لقرار الحرب، للقضاء على ما يصفونه «الخطر الإيرانى».
وكشف تقرير نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» (العبرية) أن إسرائيل شديدة القلق مما تسميه بـ «السيناريو الأسوأ» من إيران، بالتوصل إلى «اتفاق جزئى» بين واشنطن وطهران يقتصر فقط على الملف النووى، ويترك برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية خارج أى قيود ملزمة.
الذعر الإسرائيلى من «المسار التفاوضى»، الذى أخذ يفرض نفسه بقوة، لأسباب كثيرة على الولايات المتحدة، وصل إلى ذروته بعد الإعلان الأمريكى والإيرانى عن موعد ومكان انعقاد جلسات المحادثات الأمريكية – الإيرانية.فقبل 24 ساعة فقط من موعد إجراء المحادثات، وبالتحديد يوم الخميس (5/2/2026) دعا بنيامين نتنياهو إلى اجتماع عاجل للكابينيت (المجلس الوزارى المصغر للشئون الأمنية والسياسية)، لبحث سيناريوهات فشل المفاوضات واحتمالات العودة إلى التصعيد الأمنى والعسكرى (تكرار سيناريو العدوان الإسرائيلى، الذى شنته إسرائيل على إيران بعد أربع جولات من جلسات التفاوض الأمريكى مع إيران، جرت بين سلطنة عمان وإيطاليا، وقبل ساعات من انعقاد جلسة التفاوض الخامسة).
صحيفة «جيروزاليم بوست» العبرية، نقلت عن مصدر عالى المستوى، شارك فى اجتماع الكابينت، أن رئيس الأركان الإسرائيلى إيال زامير أبلغ مسئولين أمريكيين بأن «إسرائيل مستعدة لتوجيه ضربات مفاجئة لأهداف داخل إيران فى حال اختار الإيرانيون طريق الحرب».
الآن، وبعد أن خرجت الأمور الخاصة بقرار التفاوض الأمريكى مع إيران، وبعد النجاحات الأولية التى تحققت فى جلستى مفاوضات مسقط يوم الجمعة الماضى، واعترف بها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، ووصفها (7/2/2026) بأنها «إيجابية جدًا»، وبعد أن صرح وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى فى اليوم التالى لتلك الجلسات (السبت 7/2/2026) فى مقابلة تليفزيونية: «مستعدون لاتفاق مطمئن بالنسبة لتخصيب اليورانيوم»، وبعد أن أعلن الرئيس الأمريكى أن جلسة التفاوض الثانية يمكن أن تكون فى الأسبوع المقبل، لم يعد أمام رئيس الوزراء الإسرائيلى إلا القيام بمحاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وضبط مسار التفاوض الأمريكى مع إيران بما يخدم المصالح الإسرائيلية ومتطلبات الأمن القومى الإسرائيلى، بوضع نهاية مبكرة للمسار التفاوضى والعودة مجددًا إلى مسار الحرب، الذى تفضله وتأمله إسرائيل، ضمن طموح القضاء على «الخطر الإيرانى». من هنا تجىء الزيارة المتعجلة التى سيقوم بها نتنياهو إلى واشنطن للقاء مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.
نتنياهو في واشنطن
نتنياهو ذاهب إلى واشنطن وفى جعبته قائمة مطالب إسرائيلية يسعى إلى إلزام الرئيس الأمريكى بها، وعدم التنازل عنها فى المفاوضات المقبلة مع إيران. موقع «واى نت» التابع لصحيفة «يديعوت أحرونوت» تحدث أمس الأول الأحد (8/2/2026) عن مخاوف إسرائيلية من سيناريو يقتصر فيه الاتفاق على الملف النووى فقط، دون التطرق إلى ما تعتبره إسرائيل "تهديدات إيرانية أخرى".
وحدد تقرير هذا الموقع مضمون أجندة المطالب التى سيحملها نتنياهو معه إلى واشنطن طامعًا فى إلزام الرئيس ترامب بها فى البنود التالية:
تفكيك البرنامج النووى الإيرانى بالكامل (تصفير البرنامج النووى)، بما فى ذلك وقف نهائى لتخصيب اليورانيوم، مع تأكيد بحتمية إزالة اليورانيوم المخصب من الأراضى الإيرانية.
عودة مفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى إيران لمراقبة برنامجها النووى «مراقبة دقيقة وحقيقية وعالية الجودة»، بما فى ذلك عمليات «التفتيش المباغت»، للمواقع المشتبه بها.
أن ينص الاتفاق على الحد من الصواريخ الباليستية الإيرانية، وتحديد أقصى مدى لهذه الصواريخ بـ 300 كيلو متر فقط ومنع إيران من تقديم الدعم لوكلائها فى الشرق الأوسط، خاصة حزب الله والحوثيين.
هذه المطالب تتعارض تمامًا مع ثوابت الموقف الإيرانى، والتى كان عباس عراقجى قد أعاد تأكيدها فى اليوم التالى لجلستى مفاوضات مسقط. فمع إعلانه: «مستعدون لاتفاق مطمئن» بشأن تخصيب اليورانيوم (7/2/2026)، أكد أيضًا أن برنامج إيران الصاروخى «غير قابل للتفاوض» فى المحادثات، لأنه «موضوع دفاعى بحت بالنسبة لنا، ولا يمكن التفاوض بشأنه، ليس الآن فقط بل وفى المستقبل».
هذا يعنى أن الكرة الآن فى ملعب الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، إما أن يتمسك بخيار التفاوض ضمن حدود مقبولة من الطرفين الإيرانى والأمريكى، وإما أن يخضع للضغوط الإسرائيلية. ترامب يواجه لحظة حاسمة من موقفه من المصالح الأمريكية فى الشرق الأوسط، خصوصًا فى ظل المتغير الإقليمى القوى، الذى أخذ يفرض نفسه، فى تقارب القوى الإقليمية الكبرى: تركيا ومصر والسعودية، مدعومين من باكستان على قاعدة الرفض لخيار الحرب وأى عدوان على إيران.
هل يفعلها نتنياهو على نحو ما فعله فى حرب الأيام الـ 12 فى شهر يونيو الماضى، عندما ضرب عرض الحائط بالمفاوضات الأمريكية – الإيرانية، وشن عدوانًا إسرائيليًا على إيران، مراهنًا على حتمية التورط الأمريكى فى هذا العدوان مع إسرائيل. الإجابة عن السؤال مهمة، وهى التى ستحدد، ليس فقط التنافس بين خيارى «الحرب» و«السلام»، بل من شأنها إمكان فرض معادلة «أمن إقليمى جديدة»، لن تكون فى مصلحة إسرائيل، وربما تعجل بتقارب إقليمى مع إيران.




