إعادة الهيكلة
«سددت 2.2 مليار والديون 4 مليارات».. أين ذهبت أموال «المتحدة للصيادلة»؟
دخل ملف إعادة الهيكلة والإفلاس لشركة «المتحدة للصيادلة» مرحلة جديدة، بعدما تقدمت شركة «الأندلس الطبية»، أحد كبار دائني الشركة، بطلب عاجل إلى إدارة الإفلاس وإعادة الهيكلة بمحكمة القاهرة الاقتصادية، طالبت فيه بفحص حركة الأموال والأصول التي خرجت من ذمة «المتحدة» خلال السنوات الثلاث السابقة، واسترداد ما يمكن استرداده منها قانونًا.
الطلب، المقدم في إطار طلب إعادة الهيكلة رقم 2 لسنة 2025، يفتح واحدًا من أكثر الملفات حساسية في مسار إعادة هيكلة الشركة، إذ يتوقف عند تسويات ومدفوعات قالت «المتحدة للصيادلة» نفسها في مذكرة دفاع أمام القضاء إن إجمالي قيمتها بلغ نحو 2.214 مليار جنيه، في الوقت الذي تشير فيه أوراق النزاع إلى استمرار مديونيات تقترب من 4 مليارات جنيه لصالح بنوك وشركات أدوية وموردين وجهات أخرى.
مليارات خرجت والمديونيات مرتفعة
جوهر تحرك «الأندلس الطبية» لا يتمثل فقط في الاعتراض على إجراء تسويات سابقة، وإنما في المطالبة بفحص كل عملية على حدة، لمعرفة أصل المديونية، وقيمة ما تم سداده، وطبيعة المقابل الذي حصل عليه الدائن، وما إذا كانت هناك أصول خرجت من الشركة ضمن تلك التسويات، ومدى تأثير ذلك كله على المركز المالي لشركة “ المتحدة للصيادلة ” والضمان العام لباقي الدائنين.
وترى الشركة أن وصول قيمة التسويات والمدفوعات إلى أكثر من ملياري جنيه خلال ثلاث سنوات، بالتزامن مع بقاء كتلة المديونيات عند مستوى يقترب من 4 مليارات جنيه، يستدعي مراجعة مالية ومحاسبية شاملة، بدلًا من التعامل مع كل تسوية باعتبارها واقعة منفصلة عن الصورة الكاملة للوضع المالي للشركة.
ومن هنا جاء طلب «الأندلس» بإلزام «المتحدة للصيادلة» بتقديم كشف حساب كامل ومراجع عن جميع المبالغ التي تم سدادها أو تسويتها خلال الفترة محل الفحص، مع مطابقة تلك العمليات بالرقم الإجمالي الذي أعلنت عنه الشركة نفسها.
أين ذهبت الـ2.214 مليار جنيه؟
بحسب الطلب، تضمنت مذكرة «المتحدة للصيادلة» أمام القضاء قائمة واسعة من عمليات السداد والتسوية مع عدد من شركات الأدوية والدائنين.
وتشمل القائمة، وفقًا لما ورد في الطلب، تسويات مع شركة «إيفا» بقيمة 238 مليون جنيه، و«أوركيديا» بنحو 232 مليون جنيه، و«سيد» بنحو 35 مليون جنيه، و«الشركة العربية للأدوية» بنحو 11 مليون جنيه، و«القاهرة للأدوية» بنحو 6 ملايين جنيه، و«أكتوبر فارما» بنحو 14 مليون جنيه.
كما تضمنت العمليات مبالغ بنحو 106 ملايين جنيه لصالح «إيبيكس»، ونحو 466.49 مليون جنيه لصالح «المهن الطبية»، و8.33 مليون جنيه لـ«أدويا»، ونحو 27.55 مليون جنيه لـ«ماركيرل للصناعات الدوائية»، إضافة إلى نحو 170.41 مليون جنيه لـ«راميدا»، إلى جانب تسويات ومدفوعات أخرى.
وتبرز في القائمة أيضًا تسويات وردت تحت مسمى «مجموعة شركات» بقيمة تجاوزت 91.3 مليون جنيه، وهو ما دفع «الأندلس» إلى المطالبة بالكشف عن أسماء الشركات المستفيدة، وقيمة ما حصلت عليه كل شركة، وأصل المديونية، والسند القانوني والتعاقدي للتسوية.
وبالنسبة للدائن المتحرك في هذا الملف، فإن المسألة لا تتعلق فقط بحجم الأموال التي خرجت، وإنما بكيفية خروجها، والجهات التي استفادت منها، وما إذا كانت جميع العمليات قد تمت وفق الضوابط التي تحكم وضع الشركة خلال مرحلة إعادة الهيكلة، وبما لا يضر بحقوق باقي الدائنين.
البنوك في قلب المشهد.. أكثر من 1.6 مليار جنيه
ولا يمكن قراءة تطورات ملف « المتحدة للصيادلة » بمعزل عن حجم الالتزامات المصرفية، التي تظهر في أوراق دعوى الإفلاس كواحدة من أكبر مكونات المديونية.
وتكشف حيثيات الحكم الصادر في الدعوى رقم 26 لسنة 2024 شهر إفلاس القاهرة الاقتصادية عن مديونيات مصرفية ضخمة وردت ضمن طلبات تدخل البنوك في الخصومة.
وبحسب ما أورده الحكم، بلغت المديونيات المحددة رقميًا لثلاثة بنوك فقط نحو 1.618 مليار جنيه، بخلاف العوائد، وذلك دون احتساب قيمة المديونية المستحقة لبنك الإمارات دبي الوطني، الذي ورد تدخله في الخصومة دون تحديد قيمة مديونيته في الحكم المشار إليه.
وجاء البنك التجاري الدولي «CIB» في مقدمة المديونيات المحددة، بقيمة بلغت 995.697 مليون جنيه بخلاف العوائد، يليه بنك كريدي أجريكول مصر بمديونية قدرها 493.151 مليون جنيه بخلاف العوائد، بينما بلغت مديونية بنك HSBC مصر نحو 129.429 مليون جنيه.
وهذه الأرقام، في حد ذاتها، تضع الالتزامات المصرفية في قلب أي مراجعة لمسار إعادة الهيكلة، خصوصًا مع وجود التزامات أخرى لصالح شركات الأدوية والموردين والجهات الحكومية.
أزمة بدأت بتعثر السداد
وتعود جذور النزاع إلى أواخر عام 2023، عندما قالت «الأندلس الطبية» إن « المتحدة للصيادلة » توقفت عن سداد التزامات مالية كبيرة لصالح عدد من شركات الأدوية والبنوك، قبل أن تتسع دائرة النزاع بانضمام عدد كبير من الشركات والمؤسسات المصرفية إلى دعوى شهر الإفلاس.
وتتمسك «الأندلس» بمديونيات مستحقة لها في ذمة «المتحدة»، من بينها مبالغ ناشئة عن شيكات بنكية مردودة قاربت قيمتها 97 مليون جنيه، فضلًا عن استنادها إلى حكم قضائي بإلزام «المتحدة» بسداد نحو 79.13 مليون جنيه، بخلاف الفوائد.
ومع اتساع دائرة الدائنين، لم تعد القضية مجرد خلاف بين شركتين، وإنما أصبحت مرتبطة بمصير أموال وأصول شركة مدينة، وكيفية إدارتها وتوزيع حصيلتها بما يحافظ على حقوق مختلف أصحاب الديون.
من المصروفات الضرورية إلى التسويات محل الفحص
أحد أهم المحاور التي تطرحها «الأندلس الطبية» يتمثل في ضرورة الفصل بين الأموال التي أنفقتها الشركة في إطار تشغيل نشاطها بصورة طبيعية، وبين الأموال التي خرجت لصالح تسويات خاصة مع دائنين.
ولهذا طالبت الشركة بندب خبير محاسبي ومالي مستقل تكون مهمته فحص حركة الأموال، والتمييز بين المصروفات التشغيلية الضرورية، مثل الأجور والكهرباء والتأمينات والتأجير التمويلي، وبين المدفوعات المرتبطة بتسويات الديون، فضلًا عن التسويات العينية التي تضمنت نقل أموال أو أصول.
كما طالبت بتقديم عقود التسوية والمخالصات والتحويلات البنكية والشيكات وأوامر الدفع والقيود المحاسبية، فضلًا عن المستندات المرتبطة بنقل ملكية الأصول، بما يسمح بتكوين صورة متكاملة عن كيفية إدارة أموال الشركة خلال الفترة محل الفحص.
الأصول العقارية.. الجانب الأكثر حساسية
ولا يتوقف طلب الفحص عند الأموال النقدية، إذ امتد إلى أصول قالت «الأندلس» إنها خرجت من ذمة «المتحدة للصيادلة» ضمن بعض التسويات.
ومن بين هذه الأصول مخزن جملة أكتوبر، الذي قالت «الأندلس» إنه آل إلى إحدى الشركات الدائنة، فضلًا عن عدد من الشاليهات وقطع الأراضي في العين السخنة، التي قالت إنها دخلت ضمن تسوية مع شركة أخرى.
وتطالب «الأندلس» بحصر هذه الأصول وتحديد مواقعها ومساحاتها وسندات ملكيتها وتواريخ التصرف فيها، مع إجراء تقييم مستقل لقيمتها وقت خروجها من الشركة، ومقارنتها بقيمتها السوقية الحالية، وكذلك مقارنة قيمة الأصول التي تم التصرف فيها بقيمة الديون التي جرى إسقاطها أو تسويتها في المقابل.
وهنا تبرز مسألة جوهرية: هل كانت قيمة الأصول التي خرجت من الشركة متناسبة مع قيمة الديون التي تمت تسويتها بها؟
وهو سؤال لا يمكن حسمه بمجرد الاطلاع على إجمالي أرقام التسويات، وإنما يحتاج إلى فحص العقود والمستندات والتقييمات والقيود المحاسبية الخاصة بكل عملية.
ماذا عن الضرائب والتأمينات وديون الدولة؟
وتطالب «الأندلس» أيضًا بوضع المديونيات المستحقة للجهات الحكومية في الصورة الكاملة، من خلال تقديم بيان تفصيلي بالضرائب والرسوم والتأمينات والالتزامات المستحقة للدولة والجهات العامة، وما تم سداده منها وما تبقى.
ويستهدف هذا الطلب مقارنة اتجاهات سداد الالتزامات المختلفة، ومدى توافق توزيع الأموال مع طبيعة الديون ومراكز الدائنين، خصوصًا في ظل وجود التزامات مصرفية ضخمة، ومديونيات لشركات أدوية وموردين، والتزامات أخرى تجاه جهات حكومية.
إعادة الهيكلة أم مراجعة ما سبق؟
كانت دعوى الإفلاس قد شهدت تدخل عدد كبير من شركات الصناعات الدوائية والموردين والبنوك، قبل أن تقضي محكمة أول درجة بانتهاء الدعوى عقب اعتماد خطة إعادة الهيكلة.
ولا يزال الحكم محل الاستئناف رقم 832 لسنة 19 قضائية اقتصادية، والمؤجل لنظر القضية إلى جلسة 21 نوفمبر، بما يجعل مسار التقاضي وإجراءات إعادة الهيكلة متداخلين في تحديد مستقبل النزاع.
وفي هذا السياق، يأتي طلب «الأندلس الطبية» ليفتح مسارًا آخر يتعلق بما سبق من تصرفات مالية، وليس فقط بما سيتم اتخاذه مستقبلًا بشأن أصول الشركة.
فإذا كانت هناك أموال أو أصول خرجت ضمن تسويات سابقة، فإن السؤال الذي تطرحه الشركة هو ما إذا كان من الممكن قانونًا استردادها قبل الاتجاه إلى بيع أصول جديدة لتوفير السيولة وسداد الدائنين.
السؤال الأكبر: كيف وصلت المديونية إلى هذا المستوى؟
في النهاية، يضع طلب «الأندلس الطبية» أمام إدارة الإفلاس وإعادة الهيكلة مجموعة من الأسئلة المالية والمحاسبية التي تتجاوز مجرد حصر قيمة الديون.
فكيف أمكن لشركة أن تسدد وتسوي التزامات تجاوزت قيمتها ملياري جنيه خلال ثلاث سنوات، بينما لا تزال المديونيات الحالية، وفقًا لما يستند إليه الطلب، تقترب من 4 مليارات جنيه؟، وهل كانت التسويات السابقة متوازنة من حيث القيمة، أم أن بعضها تضمن نقل أصول لا تتناسب قيمتها مع حجم الديون التي تمت تسويتها؟، وهل أثرت تلك التسويات على الضمان العام لباقي الدائنين؟، وهل توجد أصول يمكن استردادها أو فروق في القيم يمكن المطالبة بها إذا أثبت الفحص وجود عدم تعادل بين قيمة الأصول والديون المسواة؟، هذه الأسئلة هي التي تجعل الطلب الجديد جزءًا مهمًا من مسار إعادة الهيكلة، إذ إن حسمها يتطلب مراجعة مستندية ومحاسبية ومالية دقيقة لكل عملية، وليس الاكتفاء بالرقم الإجمالي للمدفوعات.
وبحسب ما تتمسك به «الأندلس الطبية»، فإن الأولوية ينبغي أن تكون لفحص ما خرج بالفعل من أموال وأصول الشركة، وتحديد ما يمكن استرداده قانونًا، قبل الاتجاه إلى تحميل أصول أخرى أعباء جديدة أو بيعها لسداد مديونيات قائمة.
وبذلك يتحول ملف «المتحدة للصيادلة» من مجرد أزمة مديونيات وإعادة هيكلة إلى معركة حول كيفية إدارة أموال الشركة المدينة، وأولوية حقوق الدائنين، ومدى سلامة التسويات التي تمت قبل وأثناء مسار إعادة الهيكلة.
