الالتزام لا يعني الدخول في "بيت الطاعة"
«الحكومة واخدة على خاطرها».. أبرز واجبات المواطن تجاه «الدولة» وفق الدستور المصري
لا يزال أصداء منتدى مصر 2026 بما ضمه من استعراض لإنجازات الحكومة وتوصيات للمرحلة المقبلة، لكن على مدى حديث الشارع فقد أثار تصريحا للرئيس عبد الفتاح السيسي خلال المنتدى تفاعلاً واسعاً، حيث ذكر أن الحكومة كانت زعلانة من النقد الموجه لها ووصلت إلى حد الرغبة في الاستقالة.. بقوله: "الحكومة زعلانة وعايزة تمشي".
وابدى العديد من المواطنين استغرابهم من غضب حكومة مصطفى مدبولي من الشعب، معتبرين أن العلاقة بين الحكومة بين الشعب والحكومة يحكمها قواعد، وأن الحكومة ليست فوق الانتقاد.
وبالعودة إلى الدستور نرى أنه يوازن بين واجبات المواطنين وحقوقهم، ولا يفرض طاعة مطلقة للسلطة التنفيذية، ويكفل حق التعبير عن الرأي ومخاطبة السلطات العامة.
تحدد نصوص الدستور والقوانين المنظمة للحياة العامة مجموعة من الواجبات التي تقع على عاتق المواطنين تجاه الدولة والمجتمع، تشمل احترام القانون، وأداء الضرائب المستحقة، والدفاع عن الوطن، والحفاظ على المال العام، والمشاركة في الحياة العامة، وذلك في إطار منظومة دستورية تقوم على التوازن بين الالتزامات الوطنية والحقوق والحريات الأساسية.
ولا تقتصر العلاقة بين المواطن والدولة على ما يلتزم به الفرد من واجبات، إذ يفرض الدستور في المقابل التزامات على السلطات العامة، تتعلق بحماية الحقوق والحريات، وتحقيق المساواة أمام القانون، وتوفير الخدمات الأساسية، وضمان خضوع مؤسسات الدولة للقواعد الدستورية والقانونية.
احترام القانون وأداء الضرائب
ويأتي احترام الدستور والقوانين في مقدمة الالتزامات التي تنظم علاقة المواطن بالدولة، إذ يتعين على الأفراد الالتزام بالقواعد القانونية السارية، واحترام حقوق الآخرين، وتنفيذ الأحكام القضائية واجبة التنفيذ، مع احتفاظهم بحق الاعتراض على القرارات الإدارية أو اللجوء إلى القضاء عند الاعتقاد بمخالفتها للقانون.
وفي الجانب المالي، تنص المادة 38 من الدستور على أن أداء الضرائب واجب، كما تعتبر التهرب الضريبي جريمة، ويعني ذلك التزام المواطن بسداد الضرائب المستحقة عليه وفقًا للقوانين المنظمة، مع التأكيد على أن فرض الضرائب والرسوم لا يكون إلا في الحدود والإجراءات التي يقررها القانون.
وتشمل الالتزامات القانونية اليومية كذلك احترام قواعد المرور، والالتزام بالتراخيص والاشتراطات المنظمة للأنشطة المختلفة، وعدم الاعتداء على الممتلكات العامة أو الخاصة، أو ارتكاب الأفعال التي يجرّمها القانون.
الدفاع عن الوطن
يولي الدستور أهمية خاصة لواجبات المواطنين المتعلقة بحماية الدولة وأمنها القومي، وتنص المادة 86 على أن الحفاظ على الأمن القومي واجب، وأن الدفاع عن الوطن وحماية أرضه واجب مقدس، كما تقرر أن التجنيد إجباري وفقًا للقانون.
وتحدد التشريعات المنظمة للخدمة العسكرية شروط التجنيد والتأجيل والإعفاء، بما يعني أن تطبيق هذا الالتزام يرتبط بالأحكام القانونية التي تحدد الفئات الخاضعة له والاستثناءات المقررة.
ولا ينفصل هذا الواجب عن مسؤولية المواطنين في الحفاظ على الممتلكات العامة والمرافق والخدمات التي يستخدمها المجتمع، إذ تجرّم القوانين صورًا من إتلافها أو الاستيلاء عليها أو الاعتداء عليها.
كما تتناول المادة 87 من الدستور مشاركة المواطنين في الحياة العامة، وتصفها بأنها واجب وطني، كما تكفل حق الانتخاب والترشح وإبداء الرأي في الاستفتاءات وفقًا للقانون.

وتكتسب هذه المادة أهمية خاصة لأنها تجمع بين مفهوم المشاركة بوصفها مسؤولية وطنية، وبين ضمان الحقوق السياسية للمواطنين. ولا يعني ذلك أن التصويت في كل انتخابات إلزامي على جميع المواطنين دون استثناء، إذ يتعين الرجوع إلى التشريعات المنظمة للانتخابات لتحديد الأحكام واجبة التطبيق.
وفي السياق ذاته، يكفل الدستور للمواطنين وسائل قانونية للتعبير عن آرائهم ومخاطبة السلطات العامة، بما يسمح لهم بالمشاركة في الشأن العام، وإبداء الملاحظات بشأن السياسات الحكومية، والمطالبة بمعالجة المشكلات التي تواجههم.
طاعة الحكومة
لا تعني الالتزامات الدستورية المفروضة على المواطن الخضوع المطلق للسلطة التنفيذية، إذ يميز الدستور بين الالتزام بالقانون وبين الموافقة على كل القرارات والسياسات الحكومية.
وتنص المادة 65 على كفالة حرية الفكر والرأي والتعبير عنهما، بينما تمنح المادة 85 كل فرد حق مخاطبة السلطات العامة كتابةً وبتوقيعه، كما يمثل مبدأ سيادة القانون أساسًا لنظام الحكم، بما يقتضي خضوع السلطات العامة للقواعد الدستورية والقانونية.
وبناءً على ذلك، فإن انتقاد أداء الحكومة أو الاعتراض على سياسة عامة أو المطالبة بتعديل قرار، باستخدام وسائل مشروعة، لا يشكل في حد ذاته إخلالًا بواجبات المواطن. ويظل تحديد مدى مشروعية أي فعل مرتبطًا بطبيعته وظروفه والنصوص القانونية المنظمة له.
التزامات الدولة
في المقابل، يقرر الدستور مجموعة من الحقوق التي يتعين على الدولة احترامها وحمايتها، من بينها الحق في الأمن، والمساواة وعدم التمييز، والتعليم، والصحة، إلى جانب الضمانات المتعلقة بالحقوق والحريات العامة.
وتنص المادة 53 على المساواة أمام القانون وعدم التمييز للأسباب التي حددها الدستور، فيما تتناول المادتان 18 و19 الحقين في الصحة والتعليم، وتؤكد المادة 59 حق كل إنسان في الحياة الآمنة.
ويعكس ذلك أن العلاقة الدستورية بين المواطن والدولة تقوم على التزامات متبادلة؛ فالمواطن مطالب بأداء واجباته التي يحددها القانون، والدولة مطالبة باحترام الدستور، وحماية الحقوق والحريات، وإتاحة الوسائل القانونية للتظلم والطعن على القرارات التي تمس حقوق الأفراد.







