و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

15 ألف جنيه تقدر اليوم بـ 9200 جنيه

من ألفي جنيه لـ15 ألفًا.. دراسة: فجوة الأجور تضع وعود الحكومة على المحك

موقع الصفحة الأولى

أعادت توصية رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي برفع الحد الأدنى لـ الأجور إلى 15 ألف جنيه بحلول نهاية العام المالي 2029/2030، ملف الأجور في مصر إلى دائرة الجدل، وسط تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على تنفيذ الزيادة المستهدفة، في وقت لا يزال فيه عمال بجهات حكومية وشركات مملوكة للدولة يتقاضون رواتب تقل كثيرًا عن الحد الأدنى المعلن حاليًا.

وكشفت دراسة لـ المفوضية المصرية للحقوق والحريات، حملت عنوان «الدولة التي تعد بـ15 ألفًا تدفع ألفين»، عن فجوة بين الوعود المتعلقة بتحسين دخول العاملين والواقع الذي تعيشه فئات من العمال، معتبرة أن التحدي الأساسي لا يقتصر على تحديد قيمة مستهدفة للأجور بحلول عام 2030، وإنما يمتد إلى ضمان تطبيق الحدود المقررة بالفعل، وإنهاء المخالفات التي تحرم بعض العاملين من حقوقهم المالية.

بحسب الدراسة، يبلغ الحد الأدنى للأجور للعاملين بالجهاز الإداري للدولة 8 آلاف جنيه منذ يوليو 2026، مقابل 7 آلاف جنيه للعاملين بالقطاع الخاص منذ مارس 2025، مشيرة إلى عدم انعقاد المجلس القومي للأجور لمراجعة الحد الأدنى المطبق في القطاع الخاص.

ورصدت المفوضية نماذج لعمال يتقاضون أجورًا تقل عن هذه المستويات، من بينها عمال شركة المصريين لتوزيع الخبز التابعة لوزارة التموين، الذين يحصلون، وفقًا للدراسة، على نحو ألفي جنيه شهريًا، رغم مشاركتهم في توزيع الخبز المدعم.

كما أشارت إلى أن عمال الأمن بمستشفى منفلوط المركزي يتقاضون 2500 جنيه شهريًا، بينما يحصل عمال شركة «طيبة 2000»، التي تقدم خدمات الأمن للبنك الزراعي المصري، على 5 آلاف جنيه.

وامتدت الملاحظات إلى العمالة المؤقتة بشركة الألومنيوم في نجع حمادي، التي قالت الدراسة إنها تعمل دون تثبيت وبأجور تقل عن الحد الأدنى، معتبرة أن الاعتماد على شركات تابعة ومقاولين وعقود مؤقتة لتقديم خدمات مستمرة في جهات حكومية يخلق ثغرات تحول دون حصول بعض العاملين على الأجور المقررة.

وسلط التقرير الضوء على حالات وصفها بالأكثر خطورة، بينها عمال بوزارة الزراعة حصلوا على أحكام قضائية بتعيينهم، لكنهم لم يتقاضوا أجورهم منذ خمس سنوات، إلى جانب عمال بمستشفى بورسعيد الجامعي لم يحصلوا على رواتبهم منذ تعيينهم قبل أشهر، وفقًا لما أوردته الدراسة.

الإضراب والفصل من العمل

وفيما يتعلق بحقوق العمال في الاحتجاج، تناولت الدراسة إضراب العمال المؤقتين بشركة الألومنيوم في نجع حمادي، للمطالبة بالتثبيت وتطبيق الحد الأدنى للأجور، مشيرة إلى أن التحرك أعقبه فصل مئات العمال وفض الإضراب بتدخل أمني.

واعتبرت المفوضية أن هذه الوقائع تثير مخاوف بشأن مدى احترام الحقوق العمالية، وفي مقدمتها الحق في الأجر العادل والإضراب السلمي والحرية النقابية، وهي حقوق يكفلها الدستور المصري والاتفاقيات الدولية التي صدقت عليها مصر.

وترى الدراسة أن التعامل مع المطالب العمالية بإجراءات عقابية، بدلًا من فتح قنوات للتفاوض وتسوية النزاعات، يفاقم أزمة الثقة بين العمال وجهات العمل، ويجعل تحسين الأجور مرتبطًا بضرورة توفير ضمانات فعلية لحماية الحقوق.

وانتقدت الدراسة استمرار التفاوت بين الحد الأدنى للأجور في القطاعين الحكومي والخاص، رغم تعرض العاملين في كليهما لارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة.

كما لفتت إلى غياب سلم أجور ملزم في القطاع الخاص يراعي المؤهلات والخبرة والمهارات وسنوات الخدمة، معتبرة أن ذلك قد يؤدي إلى تقارب أجور العاملين الجدد وأصحاب الخبرات الطويلة، بما يقلص القيمة المادية للأقدمية والكفاءة المهنية.

واستشهدت المفوضية بإعلان توظيف لأحد مصانع بنها، نُشر عبر صفحة نائبة بمجلس النواب، تضمن أجرًا يصل إلى 6 آلاف جنيه كحد أقصى، إلى جانب شروط تتعلق بالنوع والسن. واعتبرت الدراسة الإعلان نموذجًا لما وصفته بمخالفات الأجور والتمييز في فرص العمل.

ولا تتوقف تحفظات الدراسة عند واقع الأجور الحالي، بل تمتد إلى القيمة الشرائية للزيادة المقترحة بحلول عام 2030.

فبحسب تقديراتها، قد تعادل قيمة الـ15 ألف جنيه نحو 9200 جنيه بأسعار اليوم، إذا تحققت افتراضات الدراسة بشأن التضخم، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة الزيادة المستهدفة على تحسين مستوى معيشة العاملين بصورة ملموسة.

وأشارت المفوضية إلى أن التوصية لا تتضمن جدولًا معلنًا للزيادات التدريجية، أو آلية واضحة لربط الأجور بمعدلات التضخم وتكلفة المعيشة، فضلًا عن أنها لا تمثل في حد ذاتها قرارًا ملزمًا بالتنفيذ.

وبذلك، تضع الدراسة ملف الأجور أمام اختبار مزدوج: مدى التزام جهات العمل بتطبيق الحدود المقررة حاليًا، وقدرة السياسات الحكومية المقبلة على مواكبة ارتفاع الأسعار والحفاظ على القوة الشرائية للدخول.

إصلاح شامل للمنظومة

وفي ختام توصياتها، طالبت المفوضية بتطبيق الحد الأدنى للأجور على جميع العاملين الذين يؤدون أعمالًا لصالح الدولة، بصرف النظر عن طبيعة التعاقد، مع صرف المستحقات المتأخرة وتنفيذ الأحكام القضائية المتعلقة بالتعيين والأجور.

كما دعت إلى تثبيت العمالة المؤقتة، وإعادة العمال المفصولين بسبب مشاركتهم في الإضرابات، إلى جانب انعقاد المجلس القومي للأجور لمراجعة الحد الأدنى في القطاع الخاص.

وشملت المطالب توحيد الحد الأدنى للأجور بين القطاعين العام والخاص، وربطه بالتضخم وتكلفة المعيشة، وإقرار سلم أجور في القطاع الخاص يراعي الخبرة والمهارة وسنوات الخدمة، مع تشديد الرقابة على مخالفات قانون العمل.

وتخلص الدراسة إلى أن مصداقية التعهدات بتحسين الأجور حتى عام 2030 لا تتوقف على إعلان أرقام مستهدفة فحسب، وإنما ترتبط بإنفاذ الحقوق القائمة، وضمان حصول العمال على مستحقاتهم، وتوفير آليات فعالة تحميهم من الفصل والتمييز، بما يجعل الأجر العادل حقًا مطبقًا على أرض الواقع، لا مجرد هدف مؤجل.

تم نسخ الرابط