و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

خناقات قوة الانترنت بين الشركات

155 ميجا تشعل صراعاً قضائياً بين "نور المصطفى"و"نور للاتصالات" والمحكمة ترفض الدعوى

موقع الصفحة الأولى

لم يبدأ صراع «نور المصطفى» و«نور للاتصالات» داخل قاعة محكمة، وإنما من اتفاق تجاري كان يفترض أن يكون بسيطًا: شركة تعمل في مجال خدمات الكمبيوتر بمحافظة الفيوم تحصل على خدمة إنترنت بسرعة 155 ميجا، ثم تعيد توزيعها وتشغيلها لعملائها، مقابل مبالغ مالية تسددها للشركة المقدمة للخدمة.
لكن ما بدأ باعتباره علاقة تجارية عادية سرعان ما تحول إلى نزاع طويل بين "نور المصطفى" و"نور للاتصالات" ، بعدما قالت شركة «نور المصطفى لمستلزمات الكمبيوتر» إن الخدمة التي حصلت عليها لم تكن بالسرعة المتفق عليها، وإنها وجدت نفسها أمام مطالبات مالية ترى أنها أكبر من المستحق عليها، لتبدأ بعدها رحلة البحث عن مستحقات قالت إنها دفعتها، وتعويضات عن أضرار قالت إنها لحقت بها بسبب إخلال الطرف الآخر بالتزاماته.


القصة، بحسب ما ورد في أوراق الدعوى، تعود إلى اتفاق قيل إنه أُبرم في ديسمبر 2014، على أن تبدأ الشركة في الحصول على خدمة الإنترنت اعتبارًا من مارس 2015 بسرعة 155 ميجا، على أن تقوم بتشغيلها وتوزيعها على عملائها في الفيوم، مقابل مبلغ مالي يسدد كل ثلاثة أشهر.


ولتنفيذ الاتفاق، قالت الشركة إنها اشترت أجهزة لاستقبال خدمة الإنترنت، ووضعت بعضها في سنترال رمسيس وأخرى في سنترالات الفيوم، كما سددت مبالغ مالية للشركة التي كانت تتعامل معها.


غير أن المشكلة ظهرت عندما قالت «نور المصطفى» إن الخدمة لم تصل إليها بالكميات والسرعة المتفق عليها، وإن الشركة الأخرى استمرت في مطالبتها بفواتير ومبالغ مالية ترى أنها لا تتفق مع ما حصلت عليه فعليًا من الخدمة.
ولم تكتف «نور المصطفى» بالشكوى، بل بدأت في إرسال رسائل إلكترونية إلى الطرف الآخر، مطالبة بتوضيح أوجه القصور وتسوية الحسابات بين الطرفين، إلا أن تلك المحاولات ـ بحسب روايتها ـ لم تنتهِ إلى حل.

من هنا القصة انتقلت إلى القضاء

في مارس 2020، أقامت «نور المصطفى» دعواها أمام المحكمة، لكنها لم تبدأ بطلب مبلغ محدد باعتباره دينًا ثابتًا في ذمتها، وإنما طلبت أولًا ندب خبير حسابي لفحص العلاقة بين الطرفين، وحصر ما قامت بسداده، وبيان ما إذا كانت هناك مبالغ مستحقة لها لدى الشركة الأخرى من عدمه.


المحكمة استجابت وندبت خبيرًا من مكتب خبراء وزارة العدل لفحص الحسابات والمستندات، وبعد مباشرة المأمورية قدم الخبير تقريره، لكن التقرير لم يغلق باب النزاع، بل فتح بابًا آخر أكثر تعقيدًا.
فخلال تداول القضية، ظهرت أمام المحكمة رسائل بريد إلكتروني وإيصالات تحويلات مالية، تؤكد وجود تعامل تجاري بين الطرفين، إلا أن العقد الذي كان من المفترض أن يحسم طبيعة العلاقة والتزامات كل طرف لم يكن موجودًا ضمن المستندات المقدمة للمحكمة.


الشركة تمسكت بأنها اتفقت على الحصول على خدمة الإنترنت بسرعة 155 ميجا، وأن الطرف الآخر أخل بالتزاماته، لكنها لم تقدم أصل العقد الذي تستند إليه في تحديد تلك الالتزامات.
وفي المقابل، كانت هناك تحويلات مالية وإيصالات سداد، إلا أن المحكمة رأت أن مجرد وجود تحويلات مالية لا يكفي وحده لإثبات سبب تلك التحويلات أو أنها تمثل المستحقات الناشئة عن العقد محل النزاع.


وبجلسة 31 يوليو 2023، حسمت محكمة أول درجة موقفها ورفضت الدعوى، بعدما خلصت إلى أن الشركة المدعية لم تقدم المستندات التي تمكن المحكمة من الوقوف على طبيعة الالتزامات المتبادلة بين الطرفين، وعلى رأسها العقد محل العلاقة التجارية.
لكن الشركة لم تتوقف عند هذا الحد، وطعنت على الحكم أمام محكمة استئناف القاهرة، مؤكدة أن الحكم أخطأ في الاستدلال وقصر في التسبيب، وتمسكت بما ورد في تقرير الخبير، وطالبت بإلزام الشركة الأخرى بالمبالغ التي قالت إنها مستحقة لها، إلى جانب التعويض والمصروفات.
وهنا دخل النزاع مرحلة جديدة كشفت تفاصيل أكثر تعقيدًا، ففي ديسمبر 2023، قررت محكمة الاستئناف إعادة الأوراق إلى مكتب خبراء وزارة العدل، وتشكيل لجنة ثلاثية من الخبراء لفحص النزاع من جديد.
وانتقلت اللجنة إلى العنوان الذي تم الاستدلال به على مقر الشركة، لكن المفاجأة التي ظهرت أثناء أعمال الخبرة كانت أن الشركة الموجودة في العنوان ليست هي الشركة التي ورد اسمها في الدعوى في البداية.
فبحسب ما أثبته تقرير لجنة الخبراء، جرى الانتقال إلى مقر في مجمع جاليريا 40 بمدينة الشيخ زايد، وهناك تبين وجود شركات تحمل أسماء مرتبطة بـ«نور»، من بينها «نور للاتصالات»، و«نور مركز»، و«نور شبكة»، وغيرها، مع إفادة بأن تلك الشركات مملوكة لشخص واحد، إلا أن لكل شركة منها سجلًا تجاريًا وكيانًا قانونيًا مستقلًا.
أما الشركة التي كانت الدعوى مرفوعة ضدها في البداية باسم «نور لخدمات الإنترنت»، فلم يجد الخبير لها وجودًا في العنوان الذي تم الانتقال إليه، ولم يتمكن من الوقوف على مستندات خاصة بها في المقر.
وهنا أصبح النزاع أكبر من مجرد خلاف على سرعة الإنترنت أو قيمة الفواتير.
من هي الشركة التي تعاقدت معها «نور المصطفى» أصلًا، هذا السؤال أصبح محوريًا في القضية، خاصة أن الشركة المدعية قدمت أمام الخبراء صورًا من إيصالات سداد وتحويلات بنكية خلال عامي 2014 و2015، بلغت ـ وفق ما أثبته التقرير ـ نحو 5 ملايين و25 ألفًا و658 جنيهًا، إلا أن تلك التحويلات كانت باسم «شركة نور للاتصالات».
وهنا ظهرت المفارقة: الشركة التي ظهرت أسماؤها في مستندات التحويلات ليست هي الشركة التي كانت مختصمة في الدعوى عند بدايتها.
وبذلك أصبحت المحكمة أمام نزاع له وجهان؛ الأول يتعلق بما إذا كانت الشركة المدعية قد تعرضت فعلًا لإخلال في خدمة الإنترنت والتزامات التعاقد، والثاني يتعلق بالكيان القانوني الذي كان طرفًا في هذه العلاقة أصلًا.
ولم يتوقف الأمر عند اسم الشركة، إذ حاولت لجنة الخبراء الوقوف على مصير أجهزة استقبال الإنترنت التي قالت الشركة المدعية إنها اشترتها واستخدمتها في تنفيذ العلاقة التجارية.
وطلب الخبراء بيان الأجهزة وفواتير شرائها وأماكن وجودها وأرقامها التسلسلية حتى يمكن معاينتها، إلا أن تلك المستندات لم تقدم، وجاء الرد بأن تحديد مصير الأجهزة ومعاينتها يمكن بحثه بعد تصحيح شكل الدعوى واختصام الشركة التي ظهرت في المستندات باعتبارها الطرف الذي تم التعامل معه.
وفي هذه المرحلة، اتجهت الشركة المدعية إلى تصحيح شكل الاستئناف، وتعديل اسم الشركة المختصمة، وإعلانها في العنوان المشار إليه، لتصبح «شركة نور للاتصالات» هي محل الاختصام بدلًا من الاسم الذي بدأت به الدعوى.
وبعد ورود تقرير اللجنة الثلاثية وإعادة تداول القضية أمام محكمة الاستئناف، عادت المحكمة إلى أصل المشكلة: هل استطاعت الشركة المدعية أن تثبت بالأدلة والمستندات أن الشركة المختصمة أخلت فعلًا بالتزامات تعاقدية محددة، وأن هناك مبالغ مالية مستحقة لها، الإجابة التي انتهت إليها المحكمة كانت بالنفي.
فالمحكمة رأت أن الحكم الابتدائي انتهى إلى النتيجة الصحيحة عندما رفض الدعوى، وأن ما قدم من أوراق وتحويلات لا يكفي وحده لإثبات الالتزامات التعاقدية محل النزاع، خاصة مع عدم وجود العقد الذي كان من شأنه تحديد حقوق والتزامات كل طرف بصورة واضحة.
وبذلك، لم ترَ محكمة الاستئناف سندًا قانونيًا يبرر إلغاء الحكم الأول، وانتهت إلى رفض الاستئناف وتأييد الحكم المستأنف.
وهكذا، فإن النزاع الذي بدأ باتفاق على ضخ خدمة إنترنت بسرعة 155 ميجا، وتحول إلى خلاف على جودة الخدمة وقيمة الفواتير والمبالغ المسددة، انتهى إلى معركة أخرى حول العقد الغائب والكيان القانوني الصحيح والتحويلات المالية التي تجاوزت 5 ملايين جنيه.
وهكذا أُسدل الستار على نزاع تجاري امتد لسنوات، بعدما تحولت سرعة إنترنت متفق عليها إلى خيط قاد أطراف القضية من التعاملات التجارية والفواتير والتحويلات البنكية إلى مكاتب خبراء وزارة العدل، ثم إلى ساحات المحاكم، قبل أن تحسم المحكمة المعركة لصالح بقاء الحكم الرافض للدعوى.

تم نسخ الرابط