استنتاجات كثيرة أخذت تفرض نفسها على العقل الاستراتيجى الأمريكى والإسرائيلى للوصول إلى إجابة باتت ملحة للسؤال المحورى الذى يشغل الجميع بعد مرور سبعة أشهر كاملة على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهو: إلى أين من هنا؟، بمعنى من الآن وإلى متى ستبقى هذه الحرب بلا نهاية؟ أو بالأحرى إلى متى سيظل العجز الأمريكى مستمرًا عن وضع نهاية لهذه الحرب، تحفظ الحد الأدنى من "شىء" يمكن ترويجه كانتصار؟
من هذه الاستنتاجات، وربما أهمها أن هذه الحرب وصلت إلى طريق مسدود، وأنه بمرور الأيام تزداد الخسائر وتتراكم التحديات فى الداخل الأمريكى الذى أضحى رافضًا لهذه الحرب، وفى الخارج سواء على مستوى المصالح والمكانة الأمريكية فى الشرق الأوسط، والإدراك المتزايد لخطورة حدوث تحولات فى مواقف الحلفاء الخليجيين باتجاه يهدد تلك المصالح وتلك المكانة، أو على المستوى العالمى على النحو الذى أدركه رئيس الأركان الأمريكى الأسبق الجنرال المتقاعد جاك كين (16/10/2026) من تبلور تحالف رباعي متنامى يضم إيران مع كل من الصين وروسيا وكوريا الشمالية.
الجنرال جاك كين اعتبر هذا التحالف "أخطر تحالف شهده العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945". هذا التحالف من شأنه إتاحة تزويد إيران ووكلاءها الإقليميين بتكنولوجيا صواريخ متقدمة وقدرات عسكرية متطورة فى مقدورها تمكين إيران من خوض "حرب استنزاف طويلة" مع الولايات المتحدة، ومن شأنه أيضًا التصدى لأى محاولة أمريكية لتدمير إيران، أى فرض أسقف خيارات محدودة أمام صانع القرار الأمريكى فى المواجهة مع إيران.
من هذه الاستنتاجات أيضًا أن إيران كسبت رهان "عامل الزمن" فها هى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى جعلت عامل الزمن يعمل لصالح إيران. فالرئيس الأمريكى أضحى عاجزًا عن تنفيذ تهديداته بتدمير نهائى للقدرات النووية والنفطية الإيرانية قبل هذه الانتخابات التى ستجرى بعد حوالى أسبوعين من الآن، لأن الحزب الديمقراطى سيستغل ذلك لتأليب الرأى العام الرافض لهذه الحرب.
أما تأجيل الضربة إلى ما بعد الانتخابات فلم يعد خيارًا مضمونًا فى ظل ما تؤكده استطلاعات الرأى العام من تأييد ودعم قوى أصبح يتمتع بهما الحزب الديمقراطى، ما يؤهله لكسب هذه الانتخابات وامتلاك الأغلبية فى مجلسى الكونجرس (الشيوخ والنواب)، ومن ثم الحيلولة دون تمكين ترامب من شن مثل هذه الضربة، ومحاكمته، وربما عزله، إذا قام بها متجاوزًا لرفض الكونجرس.
المأزق الإسرائيلى لا يقل عن المأزق الأمريكى، فرغم كل ضوضاء بنيامين نتنياهو الإعلامية فإنه لم ينجح فى تحقيق أى من الأهداف التى أعلنها لشن العدوان على إيران، كما أن الانتخابات التشريعية الإسرائيلية باتت على الأبواب بعد أسبوع من الآن. وتؤكد مؤشرات استطلاعات الرأى العام أن نتنياهو سيكون أكثر الخاسرين، وهذا يجعله شديد الحرص على شن حرب جديدة على إيران قبيل إجراء هذه الانتخابات لتوظيفها كورقة رابحة لكسب الانتخابات، أو لفرض خيار تأجيل الانتخابات، وهذا ما يضعه فى صدام مع الرئيس الأمريكى المتردد فى شن حرب جديدة على إيران، ومع القوى السياسية الإسرائيلية المنافسة التى تحرص على عدم تمكينه من انتزاع هذه الورقة.
لذلك لم يعد أمام نتنياهو غير خيار واحد هو إفشال هذه الانتخابات بشن ضربة جديدة على إيران، حسب تقرير مهم نشرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية تضمن تحذيرًا على لسان رئيس الأركان الإسرائيلى "أيال زامير" بأن "اندلاع مثل هذه المواجهة قبل الانتخابات الإسرائيلية قد يؤثر على إمكانية إجرائها"، وهذا ما يطمح إليه نتنياهو.
كل هذا التعقيد وكل هذا المشهد التعجيزى لخصه "الحوار الاستراتيجى" الذى نظمه "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" (CSIS) فى مشروعه البحثى الجديد: "مستقبل الشرق الأوسط"، بالقول أن المنطقة دخلت مرحلة ممتدة من "عدم التوازن الجيوسياسى"، بعد سبعة أشهر من اندلاع الحرب على إيران، مع "انهيار النظام الإقليمى القديم دون تبلور بديل مستقر حتى الآن". الاستنتاج الأهم، كما ورد فى ملخص "الحوار" أن الصراع فى المنطقة لم يعد يتعلق فقط بحسم هوية المنتصر عسكريًا، بل بالجهة القادرة على ملء الفراغ الناتج عن تراجع قدرة القواعد الأمنية التقليدية والضمانات الأمريكية على فرض الاستقرار المطلق؟
ماذا يعنى ذلك بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل؟
يعنى شيئًا محددًا هو: "أن الحرب الحالية بطرفيها الأمريكى – الإسرائيلى من ناحية لم تعد مجدية، وأنه آن الأوان للبحث عن حرب بديلة، تحقق الأهداف الأمريكية والإسرائيلية من ناحية، ولا تفرض دفع الأثمان من ناحية أخرى.
وكانت الإجابة الأمريكية – الإسرائيلية هى "الحرب الإقليمية". أى الانتقال إلى حرب جديدة إقليمية الأطراف ومنسجمة مع المشروع الأساسى أو الهدف الأساسى للحرب على إيران وهو فرض سيادة المشروع الإسرائيلى للشرق الأوسط، ودفع الأطراف العربية للانخراط فى مشروع ما يُعرف بـ "السلام الإبراهيمى" بتوسيع التطبيع مع إسرائيل، أى الانتقال عمليًا إلى مرحلة حقيقية من الحرب العربية – الإقليمية مع إيران، وتفجير الصراع الطائفى السنى – الشيعى وتأجيجه، لضمان جنى المكاسب وتحقيق الأهداف، أى دفع العرب للانخراط فى صراع مع إيران والتحالف مع إسرائيل.
من هنا كان التراجع والتلعثم الأمريكى فى الاستجابة للمطالب السعودية بتحقيق بنود معاهدة الدفاع المشترك والدخول كطرف فاعل فى الحرب السعودية – الحوثية، ثم الدفع بالبديل الإسرائيلى للدخول كطرف داعم للسعودية فى هذه الحرب، كى تتحول إسرائيل إلى دور "الحامى الإقليمى" البديل للدور الأمريكى الآخذ فى الانحسار.
الدعوة التى وجهها الرئيس ترامب مساء الجمعة (16/10/2026) للسعودية إلى قبول المساعدة التى عرضتها إسرائيل عليها فى حربها ضد الحوثيين أكبر دليل على ذلك، والأخطر قوله بأن "الرياض ستقبل العرض".
من هنا يأتى تقييم الدور المصري الجديد والاستجابة لطلب السعودية بدعم قدراتها فى مواجهة الخطر الحوثي، إلى جانب تفعيل السعودية للاتفاق الثلاثى السعودى – التركى – الباكستانى، لدرء خطر التغلغل الإسرائيلى فى الأمن العربي، وتوظيف هذا التغلغل كحافز لفرض خيار "السلام الإبراهيمى" على السعودية.
مخاطر شديدة تلوح فى الأفق، والقرار أولًا وأخيرًا بيد إيران، لمنع حدوث هذا التحول الخطير فى مسار الحرب بمراجعة المواقف والتدخل لإنهاء التصعيد الحوثى – السعودى، كى لا تجد إيران نفسها أمام الحرب البديلة كما تريدها إسرائيل، وأمريكا.. أى الحرب الإقليمية.




