يأتي شهر رمضان ثم ينقضي سريعا مثلما يمضي العمر سريعا، فيربح فيه من أحسن استثماره ويخسر من فرّط في أيامه، وهو ليس موسما عابرا للامتناع عن الطعام والشراب فحسب، بل مدرسة إيمانية متكاملة تعيد ترتيب علاقة الإنسان بربه وبالدنيا وبالناس، وأول ما يلفت النظر في الصيام أنه يُشعر الغني والمتوسط بحال الفقير من جوع وعطش وتعب، فيتولد في القلب إحساس صادق بمعاناة المحتاجين.
غير أن رمضان لا يقف عند حدود الشعور، بل يدفع إلى السلوك العملي؛ فقد كان النبي صلى الله عليه واله وسلم أجود ما يكون في رمضان، فيتحول الإحساس إلى عطاء، والتعاطف إلى صدقة، والرحمة إلى مبادرة لرفع المعاناة، وهكذا يصبح الصيام دافعًا للتكافل الاجتماعي، لا مجرد تجربة شخصية، ومن معاني رمضان العميقة أنه يكشف حقيقة الدنيا وقيمتها المحدودة، فالمسلم، مهما بلغ غناه، يمتنع ساعات طويلة يوميًا عن المباحات، ويواصل حياته وأعماله بصورة طبيعية.
هذه التجربة العملية تؤكد أن الإنسان يستطيع أن يعيش بالقليل، وأن التعلق المفرط بمتاع الدنيا ليس ضرورة، وحين يدرك المسلم هذه الحقيقة، يسهل عليه ترك الحرام، بل وترك بعض المباح إن كان يعوقه عن طاعة أو يخل بترتيب أولوياته، وبذلك يحرر الصيام القلب من أسر الشهوات، ويمنحه قدرة أعلى على ضبط النفس.
ورمضان هو شهر القرآن؛ فيه نزل، وفيه كان النبي صلى الله عليه واله وسلم يكثر من تلاوته، ويتدارسه مع جبريل كل ليلة، كما شُرعت فيه صلاة التراويح بما تحمله من تلاوة طويلة وخشوع عميق.
ولأن القرآن شفاء لأمراض القلوب من الشهوات والشبهات، فغننا نجد أن الإقبال عليه قراءة وتدبرا يعالج الانحرافات السلوكية والفكرية، ويمنح المؤمن دفعة إيمانية تمتد آثارها إلى ما بعد الشهر الكريم.
والصيام في جوهره ليس امتناعا عن الطعام والشراب والجماع فقط، بل هو استقامة شاملة على شرع الله في الأخلاق والسلوك، فقد قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: «من لم يدع قول الزور والجهل والعمل به فليس لله حاجة في تركه طعامه وشرابه».
قيادة النفس
فالمراد أن كمال الصيام يتحقق بترك المعاصي كلها، وأن الغاية منه إضعاف نوازع السوء لتمكين نوازع الخير من قيادة النفس، فمن اقتصر على الامتناع الحسي ونسي الامتناع المعنوي، نقص أجره بقدر تقصيره.
ويمثل رمضان نموذجا مكثفا لمسيرة العمر؛ ففي أوله رحمة، وفي أوسطه مغفرة، وفي آخره عتق من النار، ومن فاته أول الشهر فليغتنم أوسطه، ومن قصّر في أوسطه فليشد العزم في العشر الأواخر حيث ليلة القدر، إنها محطات متتابعة تذكرنا بأن الفرص تتجدد، وأن باب التوبة لا يُغلق ما دام في العمر بقية، أما من ضيّع الشهر كله، فلا يلومنّ إلا نفسه.
والحكمة من تكرار هذه التجربة سنويًا أن تتحول العبادات إلى عادات راسخة، فممارسة الطاعة يومًا بعد يوم لمدة شهر كامل تدرّب النفس على الانضباط، وتجعل الاستقامة أسهل بعد رمضان، وحتى من ينشط في هذا الشهر فقط، فإن تكرار المواظبة عاما بعد عام يترك أثرا تراكميا يحسّن سلوكه العام.
وهكذا يكشف شهر رمضان حقيقة الدنيا، ويزكي النفس، ويقوي الصلة بالقرآن، ويعلمنا أن العمر محطات ينبغي اغتنامها قبل أن تمضي سريعًا كما يمضي هذا الشهر المبارك سريعا.








