سجل المشاركات يثير تساؤلات
أزمة «آرت دي إيجيبت» عند سفح الأهرامات.. فنانون ومثقفون يرفضون مشاركة المطبعين ثقافيا
تواجه مؤسسة «آرت دي إيجيبت» أزمة ثقافية بعد تصاعد الاعتراضات على مشاركة النحات الفرنسي برنار فينيه في الدورة السادسة من معرض «الأبد هو الآن» (Forever Is Now)، المقرر إقامته بمنطقة أهرامات الجيزة خلال الفترة من 4 إلى 28 نوفمبر 2026، بسبب علاقاته بمؤسسات فنية إسرائيلية، وهو ما أثار دعوات لمقاطعة المؤسسة ومراجعة معايير اختيار الفنانين المشاركين في فعالياتها.
وتصاعدت أزمة معرض «آرت دي إيجيبت» عقب توقيع أكثر من 500 فنان ومثقف مصري بيانًا يرفض مشاركة فينيه ويدعو إلى مقاطعة الجهة المنظمة، فيما أعلن فنانون تشكيليون، بينهم علاء عبد الحميد وأماني موسى وعالية عيسى، انسحابهم من فعاليات مرتبطة بالمؤسسة، من بينها معرض «حي القاهرة الدولي للفنون»، وفي 9 أكتوبر 2026، أعلنت «آرت دي إيجيبت» إيقاف مشاركة الفنان الفرنسي، استجابة للاعتراضات.
وتتمثل أبرز أسباب الجدل في حصول فينيه عام 2022 على جائزة «فنان العام في إسرائيل» من منظمة أصدقاء المتاحف في إسرائيل، إلى جانب تمثيله عبر معرض فني في تل أبيب، ويرى منتقدو المؤسسة أن استبعاده، رغم أهميته، لا يكفي وحده لحسم الجدل، مطالبين بمراجعة أوسع لسجل المشاركات والشراكات الثقافية.

الدورات السابقة
يمتد الجدل إلى فنانين شاركوا في دورات سابقة من معرض «آرت دي إيجيبت» ، ففي نسخة 2022، شارك الفنان باسكال مارتان تايو، الذي توثق سيرته الفنية مشاركته في برنامج «Art Focus Jerusalem» عام 2008، كما أقام معرضًا في تل أبيب عام 2020، ويُعرف البرنامج بتركيزه على الفن الإسرائيلي المعاصر، مع شراكة مؤسسية لجهات إسرائيلية، بينها وزارة الخارجية وهيئة السياحة. غير أن هذه المعلومات لا تحدد مصدر تمويل النسخة التي شارك فيها تايو، ولا تثبت موقفه السياسي الشخصي.
وفي دورة 2023، شارك راشد الخليفة، الذي رحب، خلال مقابلة منشورة عام 2021، بمشاركته في بينالي البحر المتوسط بإسرائيل، ووصف التطبيع بأنه «أمر طال انتظاره». كما شارك أرتور ليشر، الذي تحدث في مقابلة عام 2023 عن انضمامه السابق إلى حركة «دروور هابونيم»، التي تعرف نفسها بأنها حركة شبابية اشتراكية صهيونية، دون أن يثبت ذلك موقفه الحالي من الحرب على غزة.

وشاركت كارول فويرمان في معرض «آرت دي إيجيبت» بدورة 2023 بالتزامن مع معارض لها في جاليري «زيماك» بتل أبيب، ووفقًا للمعلومات المنشورة، ظهرت ضمن معرضين فنيين خلال الفترة نفسها، كما أشارت تقارير إلى إعادة نشرها منشورًا للجيش الإسرائيلي على «لينكدإن» في ديسمبر 2023، مرفقًا بعبارة «اعرفوا الحقيقة». وهذه الوقائع توثق نشاطًا وموقفًا علنيًا، لكنها لا تثبت وحدها ما كان منظمو المعرض المصري يعرفونه قبل دعوتها.
ويؤكد منتقدو مؤسسة «آرت دي إيجيبت» أن هذه الحالات تستدعي التمييز بين العلاقات المهنية والمواقف السياسية المعلنة والانتماءات السابقة، مع إخضاع الشراكات الثقافية لمعايير واضحة، بدلًا من التعامل مع جميع الروابط باعتبارها دليلًا واحدًا على الموقف السياسي.
شاكيرا و أبراموفيتش في الدائرة
لم يتوقف الجدل عند المعرض الفني، بل امتد إلى فعاليات أخرى مقررة في مصر، فمن المنتظر إقامة حفل للمغنية شاكيرا عند الأهرامات في 28 نوفمبر 2026، بتنظيم شركة «Venture Lifestyle». ويستحضر معارضون ظهورها إلى جانب شمعون بيريز خلال مؤتمر رئاسي إسرائيلي عام 2011، حين قالت «كلنا إسرائيل»، في سياق حديثها عن التعليم والتراث الديني المشترك.
كما أثار العرض الفني «سبع وفيات» لمارينا أبراموفيتش، المعلن عن تقديمه في حرم التحرير بالجامعة الأمريكية بالقاهرة ضمن مهرجان «D-CAF»، تساؤلات بشأن مواقف الفنانة، بعدما وقعت عام 2019 بيانًا يعارض المقاطعة الثقافية لإسرائيل ويدعم إقامة مسابقة «يوروفيجن» في تل أبيب.
ويرى أصحاب دعوات المقاطعة أن استضافة الأسماء العالمية تستوجب فحص مواقفها العلنية وشراكاتها، خصوصًا في ظل الحرب على غزة، وألا تكون الشهرة أو العائد التجاري مبررًا لتجاهل هذه الاعتبارات.

يستند المدافعون عن استقلال الفن إلى تاريخ الحركة الثقافية المصرية، ومنه بيان «يحيا الفن المنحط» الصادر بالقاهرة في 22 ديسمبر 1938، الذي وقّعه 37 فنانًا ومثقفًا، بينهم جورج حنين وكامل التلمساني وأنور كامل وفؤاد كامل، تضامنًا مع الفنانين الأوروبيين الذين تعرضوا للاضطهاد الفاشي، ورفضًا إخضاع الفن للتحيزات العرقية والدينية والقومية.
ويطرح هذا الإرث سؤالًا بشأن كيفية الجمع بين حرية الإبداع وحق المؤسسات المصرية في تحديد شروط الاستضافة والشراكات، فالدفاع عن حرية الفنان لا يعني بالضرورة منحه منصة أو تمويلًا أو تأييدًا، كما أن العلاقات المهنية وحدها لا تكفي للحكم على المواقف السياسية الراهنة.
وتتمحور مطالب المقاطعة حول استمرار الضغط على المؤسسات الثقافية، وانسحاب الفنانين والرعاة والشركاء عند وجود علاقات موثقة تتعارض مع مبادئهم، مع توفير الدعم لمن قد يتضررون مهنيًا من اتخاذ هذه المواقف.
وفي النهاية، يرى منتقدو «آرت دي إيجيبت» أن استبعاد فينيه ينبغي أن يكون بداية لمراجعة أوسع لمعايير اختيار المشاركين والشراكات وأماكن العرض، وليس تسوية مؤقتة تنتهي بانتهاء الأزمة، وبين حرية الفن والاعتبارات السياسية، يبقى التحدي أمام المؤسسات الثقافية المصرية هو وضع معايير معلنة ومتسقة توازن بين الانفتاح الدولي والمسؤولية الأخلاقية تجاه القضية الفلسطينية.








