كان اليمن يوما حكاية أرض عصية على النسيان، وموطنا لحضارات صنعت مجدها من الجبال والمطر والتجارة، حتى استحق في ذاكرة التاريخ اسم "اليمن السعيد"، أما اليوم، فقد باتت هذه الأرض التي عرفت الازدهار والثراء ميدانا لصراعات تستنزف الإنسان، وساحة تتقاطع فوقها حسابات القوى الإقليمية والدولية، حتى أصبح السؤال المؤلم: كيف انتقلت البلاد من صناعة الحضارة إلى مطاردة النجاة، ومن التحكم في طرق التجارة إلى تهديد أمنها، ومن أرض السعادة إلى وطن أنهكته الحروب؟!
في الماضي، كانت جبال اليمن تروي حكاية مختلفة؛ أمطار موسمية تمنح الأرض خصوبتها، ووديان تحتضن الزراعة، ومدرجات جبلية تشهد على عبقرية الإنسان في تطويع الطبيعة.. لم يكن اليمن مجرد بقعة جغرافية على أطراف الجزيرة العربية، بل كان استثناء في محيط صحراوي واسع، حتى أطلق عليه الإغريق والرومان اسم "العربية السعيدة"، لما امتلكه من ثروات زراعية وتجارية جعلته وجهة للقوافل ومركزا للازدهار.
أما اليوم، فتبدو المفارقة قاسية؛ أرض تمتلك مقومات الحياة، لكنها تواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، لم تعد الأمطار وحدها كافية لإنقاذ الحقول، ولا الجبال قادرة على حماية القرى من نيران الصراع، بعدما أضعفت الحرب الاقتصاد، ودفعت ملايين اليمنيين إلى مواجهة الفقر والجوع والنزوح، فيما تحولت احتياجات الحياة الأساسية إلى معركة يومية من أجل البقاء.
وفي الماضي، كانت مملكة سبأ عنوانا للقوة والتنظيم، وكان سد مأرب العظيم شاهدا على قدرة اليمنيين على بناء حضارة تدير المياه وتستثمر الأرض وتؤسس للازدهار.. لم يكن السد مجرد منشأة هندسية، بل رمزا لدولة أدركت أن الثروة الحقيقية تبدأ من إدارة الموارد، وأن قوة الشعوب لا تقاس بالسلاح وحده، بل بما تبنيه من مقومات الاستقرار.. وتعاقبت ممالك معين وقتبان وحضرموت وحمير، لتصنع تاريخا تجاريا وحضاريا امتد أثره إلى ما وراء حدود المنطقة.
أما في الحاضر، فقد أصبحت موارد اليمن وموقعه الاستراتيجي جزءا من معادلة الصراع، بدلا من أن تكون أساسا لنهضته.. فالموقع المطل على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، يمنح البلاد قيمة جيوسياسية استثنائية، لكنه يضعها أيضا في قلب التنافس على أمن الملاحة والتجارة الدولية؛ وهكذا تحولت الجغرافيا التي كان يفترض أن تكون نعمة اقتصادية إلى ورقة ضغط في صراعات تتجاوز حدود اليمن، بينما يدفع اليمنيون ثمن الحسابات التي تتزاحم فوق أرضهم وبحارهم.
في الماضي، استعاد اليمن بريقه في عصور إسلامية مختلفة، وبرزت الدولة الرسولية بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر بوصفها مرحلة مهمة من الازدهار السياسي والعلمي والعمراني.. وكانت تعز وزبيد من مراكز العلم والتجارة، وشهدت البلاد حركة بناء وتعليم تركت بصمتها في تاريخ المنطقة.. كان اليمن، رغم تعقيدات عصوره، قادرا على إنتاج المعرفة وصناعة المكانة، ولم يكن مجرد ساحة تتنازعها القوى من الخارج.
قوافل البخور والتوابل
أما الحاضر، فيحمل مشهدا مغايرا؛ صنعاء تئن تحت سيطرة الحوثيين المدعومين من إيران منذ عام 2014، وحكومة معترف بها دوليا تواجه تحديات استعادة مؤسسات الدولة، وقوى محلية تتنافس على النفوذ، وتدخلات إقليمية عمقت تعقيد الأزمة.. ليدخل اليمن دوامة من المعارك والاستنزاف، تعاقبت خلالها محاولات التهدئة والاتفاقات دون أن تنجح في إنهاء جذور الصراع.. وحتى الهدنة التي بدأت برعاية الأمم المتحدة في أبريل 2022 لم تتحول إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الانقسام وتعيد بناء الدولة.
وفي الماضي، كانت القوافل تعبر اليمن محملة باللبان والبخور والتوابل، وتربط أسواقه بحضارات بعيدة، فكان ازدهاره جزءا من حركة الاقتصاد الإقليمي والدولي.. أما اليوم، فقد عادت مياه البحر الأحمر وباب المندب إلى واجهة التوتر، لكن بصورة مختلفة؛ هجمات على السفن، وتهديدات للملاحة، وضربات عسكرية متبادلة، ومخاوف من اتساع المواجهة بين قوى إقليمية ودولية.. وبات الموقع الذي صنع ثروة اليمنيين تاريخيا مدخلا إلى أزمة قد تتجاوز تداعياتها حدود البلاد إلى التجارة العالمية وأمن المنطقة.
والأخطر أن اليمن لم يعد يواجه حربا واحدة ذات أطراف واضحة، بل شبكة متداخلة من الصراعات المحلية والحسابات الخارجية؛ فالحوثيون، المدعومون من إيران، باتوا جزءا من معادلات الردع الإقليمي، فيما تسعى الحكومة اليمنية إلى استعادة سلطتها، وتتباين مصالح القوى المحلية والإقليمية حول شكل الدولة ومستقبلها.. ومع اتساع المواجهة في البحر الأحمر وارتباطها بحرب غزة والتوترات بين واشنطن وطهران، تزداد مخاطر تحول اليمن إلى جبهة مفتوحة لتصفية الحسابات، بدلا من أن يكون دولة تبحث عن السلام وإعادة الإعمار.
وهنا تكمن المأساة الكبرى؛ أن اليمن الذي عرف كيف يبني السدود ويصنع الثروة من التجارة، أصبح مهددا بأن يستهلك ما تبقى من قدراته في حروب لا تنتهي.. فكل صاروخ ينطلق، وكل ميناء يتعطل، وكل طريق يغلق، لا يغير فقط موازين المواجهة، بل يقتطع جزءا جديدا من مستقبل شعب أنهكته سنوات الصراع.
إن استعادة "اليمن السعيد" لا تبدأ بانتصار عسكري لطرف على آخر، ولا بإعادة رسم خرائط النفوذ وفق مصالح الخارج، بل بتسوية سياسية تنهي الانقسام، وتعيد للدولة مؤسساتها، وتحمي قرارها الوطني من الارتهان، وتضع الإنسان اليمني فوق حسابات السلاح والمحاور؛ فالأوطان لا تستعيد مجدها بتكاثر الجبهات، وإنما بقدرتها على إغلاقها.
لقد تغير وجه اليمن، لكن تاريخه لم يمت، وما زالت أرضه تمتلك مقومات النهوض مهما أثقلتها الجراح.. وبين سبأ التي صنعت حضارتها، وصنعاء ويمن اليوم الذي يطارد السلام وسط الأنقاض، تبقى الحقيقة الأشد قسوة أن البلاد لم تفقد قدرتها على الحياة بقدر ما استنزفتها صراعات جعلت من موقعها الاستراتيجي عبئا، ومن ثرواتها المؤجلة حلما، ومن شعبها رهينة لمعركة لا يجوز أن يكون هو الخاسر الأكبر فيها.
فاليمن لن يعود وسط الفرقة والتناحر، ولن يستعيد وجهه القديم ما دامت الخلافات أعمق من روابط الدم، والمصالح أسبق من مصلحة الوطن، وما دامت البنادق أعلى صوتا من الحكمة، والولاءات أضيق من أن تتسع لأرض بحجم التاريخ.. فاليمن لا يحتاج إلى منتصر يرفع رايته فوق أنقاض الآخرين، بل إلى إرادة تجمع أبناءه حول راية واحدة، وتعيد للدولة هيبتها، وللمواطن كرامته، وللأرض حقها في السلام.
فالأوطان يا سادة لا تموت حين تدمرها الحروب وحدها، بل تموت حين ينسى أبناؤها أنهم إخوة في وطن واحد.. واليمن السعيد لن يستعيد سعادته إلا يوم تنكسر البنادق أمام إرادة الحياة، ويعلو صوت الوطن فوق كل صوت.




